“الله ينور” بقلم: عمرو خفاجي

الأحد 19 يناير 2014 - 09:55 صباحاً

“الله ينور”  بقلم: عمرو خفاجي

عمرو خفاجي

من الظواهر المقيتة والغريبة والعجيبة فى مصر، معاناة الكثير من أصحاب الأعمال من ندرة العمال، وصار من الطبيعى فى المناطق الصناعية (مثل المنطقة الصناعية بالسادس من أكتوبر) وضع لافتات على أبواب المصانع تطلب عمالا، فى ذات الوقت الذى يتحدث فيه خبراء الاقتصاد عن ازدياد معدلات البطالة، التى يقدرها بعضهم بأكثر من ١٥٪، وهى ظاهرة بالغة الغرابة، فكيف لبلد شعبه يعانى من البطالة بينما يعانى أصحاب الأعمال من نقص العمالة، ومن الواضح، أن المشكلة تتجلى فى الأعمال اليدوية، التى لا تحظى بقبول عام من الشباب، حتى إن هناك شركات نشأت الآن، نشاطها الوحيد توفير العمالة للمصانع، بالطبع لا توجد تفسيرات دقيقة ومقبولة لهذه الظاهرة، سوى عدم تقدير المجتمع لهذه النوعية من الوظائف، ويتجلى ذلك فى قطاع المقاولات الذى يعتمد بالأساس على العمالة اليدوية، ونحن لا نناقش مدى مهارة العمال، بقدر ما نناقش وجودهم من الأساس.
هذه القيمة الغائبة فى المجتمع، من الواضح أنها نتجت عن تراكمات سنوات طويلة من استهداف هذه الفئة من العمالة، خصوصا فيما يتعلق بالمكانة المجتمعية، فى مقابل ترحيب الجميع بالوظيفة الإدارية، والتى تعانى تخمة شديدة وتصيب معظم مؤسساتنا بالترهل غير المقبول وتسبب عوارا هيكليا فى بناها الاقتصادية، وحينما سألت أحد الأصدقاء عن سر تفاقم ظاهرة غياب العمالة، وهل الهجرة مثلا إلى دول مثل دول الخليج وليبيا السبب فى ذلك، أجابنى بهدوء بأن السبب طبعا هو هجرة احترام المجتمع لمثل هذه النوعية من الأعمال، وقال إن شكوى معظم عماله فى سنوات ما قبل الثورة كانت من أكمنة الشرطة، التى كانت تعامل كل من يحمل صفة عامل بقسوة غير مبررة، فالضابط يسمح بمرور كل من يملك وظيفة حكومية أو مهنية أو إدارية، ثم يوقف كل من هم دون ذلك.
أما ما أذهلنى حقا، ما كشفه أحد رجال القضاء مؤخرا وهو يروى تفاصيل تحقيقات أحداث الاتحادية وكيف قرر إخلاء سبيل جميع المتهمين، وحينما عارضه صاحب الأمر (رئيسه فى العمل)، وأخبره بأن ذلك به إحراج له وان هناك ضرورة لحبس بعض المتهمين، فاوضه على حبس كل من لا يحمل صفة مهنية أو صاحب وظيفة إدارية، أى حبس جميع أصحاب الأعمال اليدوية، والعاطلين بتعبير آخر، وكان عددهم ٤٥ متهما تقريبا، (رجل القضاء رفض كل ذلك واصر على تطبيق القانون واحترامه) هنا فقط نستطيع أن نفهم بسهولة سر غياب العمالة فى ظل نسب البطالة المرتفعة.
فإذا كانت النظرة المجتمعية، وسلطة الدولة وبعض القائمين على القانون، ينظرون إلى العمالة هذه النظرة، فماذا نتوقع سوى غيابها والهروب منها، ولا يمكن استعادتها إلا بتغيير الاتجاهات القيمية فى المجتمع، واحترام هؤلاء المواطنين الشغيلة، والطريف أننى حينما سألت صديقى عن الحل، قال بهدوء إن الإعلام هو المسئول، وبدلا من برامج صراع الديكة المنتشرة على غالبية الشاشات يكون لدينا ولو برنامجا واحدا نعلى فيه من قيمة الأعمال اليدوية، ثم اقترح أن يتبرع بذلك عبر برنامج تليفزيونى يقدمه بنفسه يستضيف فيه العمال المهرة لمناقشتهم فى طبيعة أعمالهم وتقديمهم فى صورة نجوم، حتى يقتدى بهم الشباب الذى لا يجد فرص عمل.. والأطرف أنه اقترح ان يطلق على البرنامج اسم «الله ينور» باعتبارها المكافأة الأهم لكل العمال المهرة كما يقول، ثم قال ضاحكا: “بدل الضلمة اللى التليفزيونات معيشانا فيها”.
 






إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات