النهضة العلمية في عهد محمد الفاتح

الأربعاء 05 مارس 2014 - 12:43 مساءً

النهضة العلمية في عهد محمد الفاتح

صورة أرشيفية

اهتمام محمد الفاتح بالمدارس والمعاهد:
كان السلطان محمد الفاتح محبًّا للعلم والعلماء؛ ولذلك اهتم ببناء المدارس والمعاهد في جميع أرجاء دولته، وقد كان السلطان أورخان (726هـ / 761 هـ ) أول من أنشأ مدرسة نموذجية في الدولة العثمانية، وسار بعده سلاطين الدولة على نهجه وانتشرت المدارس والمعاهد في بورصة وأدرنة وغيرهما من المدن[1].

ولقد فاق محمد الفاتح أجداده في هذا المضمار، وبذل جهودًا في نشر العلم، وإنشاء المدارس والمعاهد، وأدخل بعض الإصلاحات في التعليم، وأشرف على تهذيب المناهج وتطويرها، وحرص على نشر المدارس والمعاهد في جميع المدن الكبيرة والصغيرة، وكذلك القرى، وأوقف عليها الأوقاف العظيمة، ونظَّم هذه المدارس، ورتَّبها على درجاتٍ ومراحل، وحدَّد العلوم والمواد التي تدرس في كل مرحلة، ووضع لها نظام الامتحانات فلا ينتقل طالب من مرحلة إلى أخرى إلا بعد إتقانه لعلوم المرحلة السابقة، وخضوعه لامتحان دقيق، وكان السلطان الفاتح يتابع هذه الأمور ويشرف عليها، وأحيانًا يحضر امتحانات الطلبة، ويزور المدارس بين الحين والحين، ولا يأنف من استماع الدروس التي يلقيها الأساتذة، وكان يوصي الطلبة بالجد والاجتهاد، ولا يبخل بالعطاء على النابغين من الأساتذة والطلبة، وجعل التعليم في كل مدارس الدولة بالمجان، وكانت المواد التي تُدَرَّس في تلك المدارس هي: التفسير، والحديث، والفقه، والأدب، وعلوم اللغة، والهندسة، والرياضة وعلوم الفلك.. إلخ[2].

كما أنشأ بجانب مسجده الذي بناه بالقسطنطينية ثماني مدارس على كل جانب من جوانب المسجد، وأربعة مساجد يتوسطها صحن فسيح، وفيها يقضي الطالب المرحلة الأخيرة من دراسته، وكانت مدارس المرحلة الأولى تدرس: مبادئ العلوم الدينية، والرياضة والطبيعة، علاوة على حفظ أجزاء من القرآن، وتسمى في مجموعها "دروس الخارج"، والمرحلة الثانية كانت تدرس مقاصد هذه العلوم، ولا سيما الفقه، ويضاف إليها مواد التاريخ الإسلامي واللغة العربية، وهي في مجموعها عموميات ومدخل للتخصص، ويمكن لخريج المرحلة الثانية تولي الوظائف البسيطة، أما الطالب الذي كان يريد إكمال التعليم، فإنه يلتحق بالمرحلة العلمية الثالثة، وهي بمثابة "إعداد" للمرحلة الأخيرة، حيث يدرس على يد علماء متخصصين في العلوم العالية المقررة فيها، حتى إذا أتم الدراسة بنجاح تمكن من دخول المرحلة الرابعة "الصحن".

ومدارس الصحن هي بمثابة جامعة علمية كبرى، تتكون من المدارس الثماني المبنية حول جامع الفاتح، وبجوارها المدارس الموصلة للصحن، وهي ثماني مدارس أخرى.

وأُلحِقَت بهذه المدارس مساكنُ للطلبة ينامون فيها، ويأكلون فيها طعامهم، وخُصِّصَت لهم منحة مالية شهرية، وكان الموسم الدراسي طوال السنة في هذه المدارس، وأنشأ بجانبها مكتبة خاصةً، وكان يشترط في الرجل الذي يتولى أمانة هذه المكتبة أن يكون من أهل العلم والتقوى متبحرًا في أسماء الكتب والمؤلفين، وكان المشرف على المكتبة يعير الطلبة والمدرسين ما يطلبونه من الكتب بطريقة منظمة ودقيقة، ويسجل أسماء الكتب المستعارة في دفتر خاص، وهذا الأمين مسئول عن الكتب التي في عهدته، ومسئول عن سلامة أوراقها، وتخضع هذه المكتبة للتفتيش كل ثلاثة أشهر على الأقل[3].

وكانت مناهج هذه المدارس تتضمن نظام التخصص، فكان للعلوم النقلية والنظرية قسم خاص، وللعلوم التطبيقية قسم خاص أيضًا، وكان الوزراء والعلماء من أصحاب الثروات يتنافسون في إنشاء المعاهد والمدارس والمساجد والأوقاف الخيرية[4].

اهتمام السلطان محمد الفاتح بالعلماء:
لقد كان للعلماء والأدباء مكانة خاصة لدى محمد الفاتح، فقرَّب إليه العلماء ورفع قدرهم، وشجَّعهم على العمل والإنتاج وبذل لهم الأموال، ووسَّع لهم في العطايا والمنح والهدايا؛ ليتفرغوا للعلم والتعليم ويكرمهم غاية الإكرام ولو كانوا من خصومه؛ فبعد أن ضم إمارة القرمان إلى الدولة أمر بنقل العمال والصناع إلى القسطنطينية غير أن وزيره روم محمد باشا ظلم الناس، ومن بينهم بعض العلماء وأهل الفضل، ومن بينهم العالم أحمد جلبي ابن السلطان أمير علي، فلما علم السلطان محمد الفاتح بأمره اعتذر إليه، وأعاده إلى وطنه مع رفاقه معززًا مكرمًا[5].

وكان السلطان محمد الفاتح لا يسمع عن عالم في مكانه أصابه عوز وإملاق إلا بادر إلى مساعدته وبذل له ما يستعين به على أمور دنياه.

وكان من عادة الفاتح في شهر رمضان أن يأتي إلى قصره بعد صلاة الظهر بجماعة من العلماء المتبحرين في تفسير القرآن فيقوم في كل مرة واحدٌ منهم بتفسير آيات من القرآن الكريم وتقريرها، ويناقشه في ذلك سائر العلماء ويجادلونه، وكان الفاتح يشارك في هذه المناقشات ويشجع هؤلاء بالعطايا والهدايا والمكافآت المالية الجزيلة.

اهتمام السلطان الفاتح بالترجمة:
كان السلطان محمد الفاتح متقنًا للغة الرومية، ومن أجل أن يبعث نهضة فكرية في شعبه أمر بنقل كثير من الآثار المكتوبة باليونانية واللاتينية والعربية والفارسية إلى اللغة التركية، من ذلك كتاب (مشاهير الرجال) لبلوتارك، ونقل إلى التركية كتاب (التصريف في الطب) لأبي القاسم الزهراوي الطبيب الأندلسي مع زيادات في صور آلات الجراحة، وأوضاع المرضى أثناء إجراء العمليات الجراحية[6].

وعندما وجد كتاب بطليموس في الجغرافيا وخريطة له قام بمطالعته ودراسته مع العالم الرومي (جورج أميروتزوس)، ثم طلب إليه الفاتح وإلى ابنه (ابن العالم الرومي) - الذي كان يجيد اللغتين: الرومية والعربية - ترجمة الكتاب إلى العربية، وإعادة رسم الخرائط، مع التحقيق في أسماء البلدان وكتابتها باللغتين: العربية والرومية، وكافأهما على هذا العمل بعطايا واسعة جمَّة، وكان العلاّمة علي القوشجي وهو من أكبر علماء عصره في الرياضيات والفلك كلَّما ألف كتابًا بالفارسية نقله إلى العربية وأهداه إلى الفاتح[7].

ودعم الفاتح حركة الترجمة والتأليف لنشر المعارف بين رعاياه بالإكثار من نشر المكاتب العامة، وقد كون الفاتح مكتبة خاصة في قصره غنية بنوادر الكتب، وروائع الآثار، فيها 12 ألف مجلد من مختلف اللغات (العربية، والتركية، والفارسية واليونانية.. )، بالإضافة إلى المكتبات الأخرى الملحقة بمدارس الصحن، ومدرسة أيا صوفيا. وسار على هذا النهج وزراؤه، ثم السلاطين الآخرون من بعده، حتى أصبحت إسطنبول من أغنى العواصم الإسلامية بروائع الكتب والآثار الإسلامية، لحرص السلاطين والوزراء على اقتناء الكتب القيمة من أطراف العالم الإسلامي، وتكوين مكتباتهم الخاصة بالجوامع الكبرى، ولاتزال هذه المكتبات تحتفظ بأكبر قدر من روائع المخطوطات العربية[8].

اهتمام الفاتح بالعمران والبناء والمستشفيات:
كان السلطان محمد الفاتح مغرمًا ببناء المساجد والمعاهد والقصور والمستشفيات، والخانات والحمامات، والأسواق الكبيرة، والحدائق العامة، وقد أدخل المياه إلى القسطنطينية بواسطة قناطر خاصة، وقد حرص على تشجيع الوزراء وكبار رجال الدولة والأغنياء والأعيان على تشييد المباني وإنشاء الدكاكين والحمامات، وغيرها من المباني التي تعطي المدن بهاءً ورونقًا.

وقد اهتمَّ الفاتح بالعاصمة القسطنطينية -التي غيَّر اسمها إلى إسلام بول (إسطنبول الآن)- اهتمامًا خاصًّا من أجل أن يجعلها أجمل عواصم العالم، وحاضرة العلوم والفنون.

وفي عهده كثُرَ العمران وانتشر، فاهتمَّ بدُورِ الشفاء، ووضع لها نظامًا مثاليا في غاية الروعة والدقة والجمال، فقد كان يعهد بكل دار من هذه الدور إلى طبيب - ثم زيد إلى اثنين من حُذَّاق الأطباء من أي جنس - كان يعاونهما كحّال (أي طبيب عيون) وجراح وصيدلي وجماعة من الخدم والبوابين، ويشترط في جميع المشتغلين بالمستشفى أن يكونوا من ذوي القناعة والشفقة والإنسانية، ويجب على الأطباء أن يعودوا المرضى مرتين في اليوم، وأن لا تُصرَف الأدوية للمرضى إلا بعد التدقيق من إعدادها، وكان يشترط في طباخ المستشفى أن يكون عارفًا بطهي الأطعمة والأصناف التي توافق المرضى منها، وكان العلاج والأدوية في هذا المستشفى بالمجان ويغشاه جميع الناس بدون تمييز بين أجناسهم وأديانهم[9].

وهكذا، لم يكن للنهضة أن تتم، ولا للفتح أن يكتمل إلا بتضافر تلك الجهود، مع الإخلاص لله تعالى، والأخذ بالعلم والنهضة بأبناء الأمة نهضة علمية حقيقية، لا تقتصر على جانب علوم الشرع فحسب، بل تأخذ علوم الحياة (من طب وهندسة وغيرها) سبيلاً إلى رقيها وتقدمها.








إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات