الابتلاء ابتلاء وفقط!

الأربعاء 16 أبريل 2014 - 02:33 مساءً

الابتلاء ابتلاء وفقط!

صورة ارشيفية

 كتب:تقية محمد
لما كانت لفترة الابتلاء في حياة الفرد -على وجه الخصوص- من نتائجها دوافع لبنائه ومحركه نحو البحث عن الخلاص والأفضل والأريح, خصوصا وأنه بشكل عام, رصد أن المرء أقرب ما يكون من خالقه في فترة ضعفه أكثر من حالة يسر ظروفه ورخائها.
والمقصود أن لفترة الابتلاء مزايا كثيرة كسنة طبيعية في حياة المخلوق الذي طبيعته الضعف والقدرات المحدودة مهما علا شأنه وارتقى في معالم القوة.
ثم كما هو معلوم أنه إن ورد الابتلاء في صحيفة المرء المقدرة مثلما هو مسلم به, لا راد له, إنما له معطى آخر يوازيه ويتدافع معه وهو الأمل واستثمار فترة الضعف تلك بشكل يتماشى مع تكليف الإنسان وتوكيله إعمار الأرض.
من جهة أخرى فإن هذا ليس معناه أن يسعى المرء منا في طلب البلاء على أنواعه حتى يتسنى له استثمار نتائج الشدة والقرب من رب العالمين, مطلقا لا! ولكن لأننا فعلا نكون في ساعات العسرة أقرب إلى الاستنجاد بالله القادر فنصدق الطلب والإلحاح والتوجه إليه -جل علاه- جملة وتفصيلا.
“لا معنى للقنوط أو اليأس في زمان الاستضعاف، ولا معنى لفقد الأمل عند غياب التمكين، ولا معنى للحزن أو الكآبة عند الفقر أو المرض أو الألم.. إننا في هذه الظروف -مع أن الله طلب منا أن نسعى إلى رفعها- نكون أقدر على العبادة، وأطوع لله، وأرجى له، وإننا في عكسها نكون أضعف في العبادة، وأبعد من الله.. إننا لا نسعى إليها، ولكننا نرضى بها.. إننا لا نطلبها، لكننا نصبر عليها.[1]“
و عليه, فإنه لما لموضوع الابتلاء من أهمية بالغة والذي يمكن تناوله من زوايا عديدة, جاء الطرح الحالي .
الابتلاء لغة: مأخوذ من الفعل بلا, ومنه ابتلى. والبلاء والابتلاء: الاختبار. والابتلاء يكون في الخير والشر. يقال: ابتليته بلاء حسنا, وبلاء سيئا.
اصطلاحا: الاختبار والأمر الجلل يُنـزله الله تعالى بالموحد ليتبين مدى صبره  (*)
الإنسان, ذاك المخلوق في أحسن تقويم والمكرم بخلاف باقي خلق الله, كلف بمسؤولية إعمار الأرض وحمل أمانة الاستخلاف فيها. لكن في كثير من الأحيان ما ينسى أن حمل الأمانة لابد وأن يكون مع المعاناة.. يكون باستعلاء مثابر حقيقي على الدناءات وصبر لا ينضب عن الآلام مستمدا إياه من الثقة المطلقة في وعود رب العالمين على الرغم من كل فتنة وابتلاء ومحنة .
هناك حقيقة مطلقة, ألا و هي أننا كلنا مبتلون لكننا الحق نعلم ونقول أننا متفاوتون في طاقات التحمل كما أننا مختلفون في نوع الابتلاء. فهناك من ابتلي في صحته, عقله, قلبه, مشاعره وجسده … ومنا من ابتلي في أهله, ثم الذي ابتلي في وطنه وذاك الذي ابتلي في أمته ودينه وهو أعظم ابتلاء. لأن هذا المبتلى في دينه كيف له أن يستنجد وحق عليه أن يطلب النجدة في حال وموطن وجب استجداؤها بتودد وإلحاح؟!
لكن, وعلى الرغم من أننا مدركون تماما بأننا مختلفون عن بعضنا البعض, فإن آفة استصغار آلام الغير تكاد تكون طابع الناس كافة وهو ليس من الإنسانية في شئ.. فطبيعة المرء أن لا يقرب مسببات الآلام وأن لا يدمن استشعارها وجوارها. ما عدا إن لم يكن واعيا بذلك أو لم يكن قادرا على الخروج من دهاليز الألم.. وعليه, فإن تعذر على الشخص مواساة المتألم والشد بيده ومؤازرته حتى يبعد عن حفرة الألم تلك, فعلى أقل تقدير وجب عدم إهانته فيما هو فيه بل والدعاء له وتكثيف السعي للعمل الصالح سواء أكان سيشمل هذا المبتلى أو لا, لعل بذلك يحقق تضميدا لجرح ما وأيا كان نوعه ومسببه والمبتلى به.
وبالتالي إشاعة خلق الرحمة بين الأفراد كونه من موجبات رحمة الله -جل علاه- كما جاء في حديث رسول الله -صلى الله عليه و سلم- “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” البخاري
الابتلاء ابتلاء, و لا يحق لأي كان أن يقسم الناس ويصنفهم حسب درجة البلاء النازل بهم, لأننا ببساطة مختلفون عن بعضنا البعض حتى وإن نشأنا في نفس البيئة والظروف بل ولو انحدرنا من رحم واحد! ولنا في أصحاب رسول الله سلام الله عليه ورضوان الله عليهم أجمعين العبرة في هذا الصدد.
فعلى سبيل المثال عند وفاته -صلى الله عليه وسلم– لم يكن سلوك سيدنا عمر بن الخطاب هو سلوك سيدنا أبا بكر الصديق, كلاهما كانا من أقرب المقربين منه -صلى الله عليه وسلم-. كلاهما طوال عمرهما كانا بجواره -سلام الله عليه- وثابرا في البذل والجهد والصمود وناصراه بل كان يود كل واحد منهما لو كان بإمكانه أن يفديه -سلام الله عليه- وما جاء به بروحه, لكن .. عند وفاته وفي أوقات فراقه الأولى العصيبة آنذاك, نعلم جيدا موقف سيدنا عمر -رضي الله عنه- من فرط حبه لسيد الخلق.. ثم ثبات سيدنا الصديق أبو بكر في هذا المصاب الجلل. وهنا يكمن المثال الحي في اختلاف طاقة التحمل رغم أن الابتلاء عينه. ثم إن نظرنا في قوله عز وجل من سورة البقرة: ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به”.
فيبدو واضحا أن الدعاء هنا جاء شاملا لكل حال ومحنتة وابتلاء وفتنة, ذلك أنه -سبحانه الجليل- خلق إذ فرق بيننا في الأرزاق على أنواعها والتي من جملتها الصبر.. لذا منا من يقدر على مجابهة الأمور العظام على أنواعها كصعاب تواجهه في حياته بينما قد يضعف أيما ضعف أمام رقة تعتلي فؤاده فتجعله لا يعدو أن يكون أكثر من صبي يبكي فيستنجد إذ لا يستطيع دفع ما ألم به.. ومنا من لا يأبه بأمور على اعتبار أنها من السهولة تجاوزها بالنسبة إليه وعند العديد, في حين أنه يستكين عند أول عائق يتراءى أمام سيره وسعيه. وعليه, فليس من الصواب البتة أن نقول فلان مبتلى وفلان يتهيأ له على أنه كذلك وفقط! صحيح أن الابتلاء درجات ولكن حتى طاقة التحمل درجات وهي في الغالب خارجة عن إرادتنا إذ يمكننا تنميتها وتقويتها كما لا نسطيع إلى ذلك سبيلا كذلك!
قد يقذف الله في قلب المرء منا بذرة صبر جميل على فراق الأحباب والمقربين وكل غال ثمين, إنما هذا ليس معناه البتة بأن هذا الشخص ليس مرتبطا بأهله أو أرضه أو جسده حتى, ولنا في السيدة أم نضال فرحات والملقبة بخنساء فلسطين المثال الحي في صبرها على استشهاد أبنائها بل وسعيها لتجهيزهم إلى الجهاد. لها كلمة خالدة مأثورة قالتها عند تلقيها خبر استشهاد ابنها -الشهيد بإذن الله – رواد توحي بالكثير إذ تقول: “والحمد لله بكلّ فخرٍ واعتزاز أستقبل هذا الخبر، وأريد أنْ أقول إنّه صحيح أنّ فراق الابن صعب، خاصةً أنّه أصغر أبنائي وعزيز على نفسي، لكن لا يعزّ شيء على الله عز وجل”.
في مقابل ذلك, ممكن جدا أن يكون من بيننا من لا يصبر على وخز إبرة نحلة, وهلم جرا من المتفاوتات من الأمثلة!
خلاصة القول, الابتلاء ابتلاء وفقط, والمزايدة على المبتلى ضرب من العبث, فكم من مبتلين سواء في مصابهم, لكنهم متفاوتون في طاقة التحمل ودفع الحزن والغم والهم خارج نفوسهم. ثم لو أردنا تصنيف الناس حسب ظروفهم ومصائبهم لما جاءت المأثورات من الآيات والأدعية لسيد الخلق سلام الله عليه مطلقة تشمل كل نوع من الابتلاءات بل لخصت أنواعا معينة من الابتلاءات بالذكر إذ بموجبها غيرها لا يعد ابتلاء!
 لابن القيم رحمه الله كلام جميل بليغ في كتابه “زاد المعاد” نختم به, إذ يقول: ”هيأ سبحانه لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها”.
فاللهم عافيتك نرجوا ورضاك نطلب, واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل اللهم الموت راحة لنا من كل شر.. آمين والحمد لله رب العالمين.








إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات