حاصد الأرواح | أحمد أبو خليل

السبت 21 يونيو 2014 - 03:00 مساءً

 حاصد الأرواح  | أحمد أبو خليل

حاصدالأرواح

 
كانت الدماء تنزف من رقبته كأن سكينا حاميا قد مر على حنجرته ثم لم يوغل فيها، ذبيحة لم يُحسن ذبحها، توقعت أن يكون ضحية أحد شبيحة النظام وأنه قد فر منهم بعد حفلة تعذيب ومحاولة قتل، لعنتهم فى سرى وأخذت أستبشع ما وصل الأمر إليه هنا فى "سراقب"، لم تمر دقائق حتى عرفت من طبيب فى المشفى أن حالة ذلك الشاب الذى دخل منذ قليل كانت بسبب حادث سير صغير انكسر بسببه زجاج سيارته الأمامى وحز جزء منه رقبته فجرحها ذلك الجرح !

 (2)

كنت أراه يصلى معنا فى المسجد يوميا، نحيف ذو لحية غير طويلة، تركها منذ عام أو اثنين فأغلب الظن أنه عميد أو عقيد أحيل للتقاعد كما حال نصف أهل مسجدنا الذى يقبع وسط عمارات ضباط، يخرجون للمعاش فيتركون لحاهم وينزلون للمسجد، بعضهم بالطبع .

لفت انتباهى عندما رأيته فى رابعة، ثم فى مسيرات مدينة نصر كل جمعة، كان يمشى وحيدا فى أغلب الأحيان هادئا، وأحيانا يسير بجوار عميد آخر فى مسجدنا صاحب مقرأة الفجر المعروفة بين مساجد مدينة الزهراء، حتى عندما أصبحت المظاهرات خطرا، يتخطف المشاركون بها من الشوارع كنت أعرف أنه ما زال مواظبا عليها .

فى ليلة وجدت صورته على أكثر من صفحة من صفحات "ضد الانقلاب" ينعونه، قد قضى نحبه فى بعد مسيرة الليلة، لم أكمل الخبر وأخذت أتألم وأتذكر كل الشهداء بنفس السمت وذات الحضور الذى لا يكاد يُرى، أثر الفراشة كما يقولون، وعند عدت للبيت حكى لى والدى أن الرجل مات ميتة طبيعية، فى طريق عودته من المسيرة التى لم تفض بأى رصاص أو دخان، ركب السيارة بجوار زميله صاحب المقرأة، وأسند رأسه على المقعد ومات !

(3)

كنا نمر على غرف المستشفى التى تقع وسط القصف نتفقد الجرحى والمصابين غرفة غرفة، على أحد الأسرة البيضاء كان طفل رضيع، يبكى بحرقة وقد غطت الشظايا جسده البض، لم ألحظ بجواره أما تهدهد ولا أبا يكفكف، سألنا الممرضة : ما شأنه !، قالت بأسى : مات جميع أهله .. حوقلنا وقبل أن نلعن قاتليهم أردفت : انقلبت السيارة بهم على طريق حلب فماتوا جميعا ونجا هذا الطفل !

 (4)

" تاريخ الوفاة : 26/6 .. سبب الوفاة : غير معلوم"

كتبت تلك الكلمات فى شهادته وفاته، قُتل عبد الحميد العناني على يد بلطجية مأجورين من تمرد والتيار الشعبي كما تقول الجماعة، أو مجهولين وربما أهالى غاضبين يدافعون عن أنفسهم ضد مسيرة إرهابية كانت تعتزم الخروج من مسجد الجمعية الشرعية بشارع بورسعيد بقلب المنصورة كما يقول الإعلام، لم يمهلهم المترصدون بهم وحاصروا المسجد، ولم تنقذهم الشرطة وتركتهم فريسة للأعيرة النارية للخرطوش والسلاح الأبيض

بعد شهور، يقبع أحدهم فى مستشفى رخيصة بسمنود، يعالج آلاما شديدة لم يعرف الأطباء لها تداويا منذ شهرين، يشعر بأن ذلك السلاح الذى وجهه لهذا الإنسان الذى لم يؤذه من قبل فى ذلك اليوم كأنما يحز فى جسده ويقطع منه قطعة قطعة تتساقط أمام عينيه، تتناهى إليه أخبار كبيرهم العيسوى كيف أنه يرقد أيضا بين الحياة والموت بعد الذى أصابه، وهو الشهير بقتل تلك الفتاة الصغيرة هالة أبو شعيشع، يبوح لزائريه جهرا وسرا أنه هو القاتل عل ذلك يخفف عنه ما يلاقيه، بعد أيام يموت وتستخرج له شهادة وفاة كُتب فيها " تاريخ الوفاة : 14/4/2014 .. سبب الوفاة : غير معلوم"

(5)

683 نفس، حكم عليها القاضى بأن تعدم، كان ذلك أول القصيدة فقط، كفر بالطبع، لكنه ما زال أولها، وليس آخرها بالأمس حكم الإعدام على بديع والبلتاجى وباسم عودة وغيرهم، الإعدام للجميع، قادة وعلماء مشهورين كالبر وجمال عبد الهادى وعبد الله بركات أو حتى أناس عاديين كالاثنى عشر شخصا الذين حكم عليهم منذ يومين بالإعدام ايضا فى قضية كرداسة، تقول منظمة "هيومان رايتس ووتش" فى افتتاحية تقرير لها عن أحكام الإعدامات فى مصر منذ شهرين : "السلطات المصرية تُنزل أحكام الإعدام بالناس كأنها توزع الحلوى"

يظن الذين يجلسون على المنصات ويحكون على رقاب الناس اليوم أن الحكم لهم، لا معقب له، لا معلق عليه إلا بالجملة الشهيرة (لا تعليق على أحكام القضاء)، يظنون أن أرواح هؤلاء الناس بأيديهم، ربما ينسون أن الموت واحد، مقدر ومكتوب، وكل يحمل إصره فى المحكمة الكبرى عند العدل، ربنا ينسون أنه منذ أشهر قليلة حضروا عزاء زعيم لهم ذلك المسمى بقاضى قضايا الرأى العام لدى الإعلام الرسمى، وقاضى مبارك أو أشهر قضاة الظلم لدى المعارضة بأطيافها مستشارهم عادل عبد السلام جمعة
(6)

"لمن الحكم اليوم" .. ليس لهذا القاضى ولا ذلك، ولا لعبد الله كمال أيضا الذى قالها ثم أخذه من له الحكم ليسمعه الإجابة بنفسه، إجابة مغايرة لما ظن كمال ومن على شاكلته أن يسمعوها، إجابة قد تدفعهم لقول " ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار * أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار"
(7)
"إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين"

الكل يموت فى موعده، قصفا وقتلا وحرقا، طلقة فى الجسد أو غفوة على مقعد، مريض على فرش المشافي أو معلق على أعواد المشانق، بسبب وبلا سبب، كل ما هناك أن الذى يموت بسببك أنت تبوء بإثمه، كل ما هناك أنك إن مت تحرص على أنك على الطريق مقبل غير مول !

لم يكتف هؤلاء بأنهم قد قتلوا وسرقوا وعاثوا فى الارض فسادا من قبل، لم يكتف هؤلاء بأنهم قدموا قرابين فاسدة عاطبة لم تأكلها النار ولن تأكلها، لم يكتفوا بذلك وقعدوا بإثمهم أو رحلوا به، بل كان عليهم أن يبوءوا بإثم الآخرين أيضا، إثم من لم يسرق أو ينهب أو يفسد فى الأرض، يحسبون أنهم بذلك يحصدون أرواح هؤلاء ليبقوا هم فى أماكنهم، فوق كراسيهم، ولا يتذكرون تلك الحقيقة الوعظية الساذجة، أيها الجهلاء ما أنتم إلا أداة لإنفاذ قضاء الله فى الأرض، فلا تفرحوا بما تصنعون، ولا تظنون أن فى ذلك محقا لأشراركم، أو نصرا عليهم، فسوف تنقلبون !
 






إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات