المؤمن عميق الإحساس بنعم الله عليه

السبت 29 مايو 2010 - 02:24 صباحاً

المؤمن عميق الإحساس بنعم الله عليه

المؤمن عميق الإحساس بنعم الله عليه

 


- إن مما يسخط الناس على أنفسهم وعلى حياتهم، ويحرمهم لذة الرضا، أنهم قليلو الإحساس بما يتمتعون به من نعم غامرة، ربما فقدت قيمتها بالفها، أو بسهولة الحصول عليها، وهم يقولون دائماً: ينقصنا كذا وكذا، ونريد كذا وكذا، ولا يقولون: عندنا كذا وكذا.
ولكن المؤمن عميق الإحساس بما لله عليه من فضل عميم، وإحسان عظيم، ونعم تحيط به عن يمينه وعن شماله، ومن بين يديه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته. إنه يشعر بنعمة الله عليه منذ كان في المهد صبياً، بل منذ كان في بطن أمه جنيناً، كان صبياً وليداً لا سن له تقطع، ولا يد له تبطش، ولا قدم له تسعى، فأجرى الله له عرقين رقيقين في صدر أمه يجريان لبناً خالصاً، كامل الغذاء، دافئاً في الشتاء، بارداً في الصيف، وألقى الله محبته في قلب أبويه، فلا يطيب لهما طعام ولا شراب، ولا يهنأ لهما نوم ولا عيش، حتى يكفياه ما أهمه ويدفعا عنه كل سوء.
وكان في بطن أمه جنيناً، فجعل الله له قراراً مكيناً، هيأ له فيه أسباب الغذاء والدفء والتنفس، وجعل له متكأ عن يمينه،،متكأ عن شماله: (ألم نخلقكم من ماء مهين * فجعلناه في قرار مكين * إلى قدر معلوم *فقدرنا فنعم القادرون) (المرسلات: 20 - 23).
المؤمن يشعر بنعمة الله عليه في كل شيء حوله، ويرى في كل ذرة في الأرض أو في السماء منحة من الله له، تيسر له معيشته، وتعينه على القيام برسالته في الحياة. إنه يرى نعمة الله في هبة الريح، وسير السحاب، وتفجر الأنهار، وبزوغ الشمس، وطلوع الفجر، وضياء النهار، وظلام الليل، وتسخير الدواب، وإنبات النبات.
ولنقرأ في مثل هذا قول الله تعالى: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) (لقمان: 20) (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (الجاثية: 12،13) (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون * وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون * ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم، أفلا يشكرون * سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون) (يس: 33 - 36) (أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون * ولهم فيها منافع ومشارب، أفلا يشكرون) (يس: 71 - 73) (وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً * وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته، وأنزلنا من السماء ماء طهوراً * لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً) (الفرقان: 47 - 49) (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء، أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه، أفلا تبصرون * ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) (القصص: 71 - 73)، (والأنعام خلقها، لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، إن ربكم لرؤوف رحيم * والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون * وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر، ولو شاء لهداكم أجمعين * هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون * ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون * وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون * وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه، إن في ذلك لآية لقوم يذكرون * وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون * وعلامات، وبالنجم هم يهتدون * أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون * وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الله لغفور رحيم) (النحل: 5 - 18).
وهكذا يرى المؤمن -بتوجيه كتاب الله له- آثار رحمة الله ونعمته في كل شيء حوله، أما نعمة الله عليه في شخصه هو فما أعظمها وما أغزرها!
فأولها: نعمة الخلق، ولولا مشيئته وفضله لبقي في ظلمة العدم، ولم يكن شيئاً مذكوراً: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً * إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً) (الإنسان: 1، 2).
وثانيها: نعمة الإنسانية: فقد شاء الله أن يخلقه بشراً سوياً، ويستخلفه في الأرض، ويفضله على كثير من خلقه: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) (الإسراء: 70) ويتبع ذلك حسن الصورة الحسية المعنوية: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) (التين: 4) (وصوركم فأحسن صوركم) (التغابن: 3).
وثالثها: نعمة الإدراك والعلم. (اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم) (العلق: 3 - 5). (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) (النحل: 78). وهذه الثلاثة هي أدوات العلم ومداركه.
ورابعها: نعمة البيان المنطقي والخطي: (الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان) (الرحمن: 1 - 4) (الذي علم بالقلم) (العلق: 4) (ن، والقلم وما يسطرون) (القلم: 1).
وخامسها: نعمة الرزق: (يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم، هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض) (فاطر: 3) (قل من يرزقكم من السموات والأرض، قل الله) (سبأ: 24).
وسادسها: -وهذا خاص بالمؤمن- هو نعمة الإيمان والهداية إلى صراط الله المستقيم. ( ... ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة) (الحجرات: 7، 8) (يمنون عليك إن أسلموا، قل لا تمنوا علي إسلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) (الحجرات: 17).
وسابعها: نعمة الأخوة والمحبة: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً) (آل عمران: 103)، (وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم) (الأنفال: 63).
ولقد كان محمد رسول الله أشد الناس إحساساً بنعمة الله وفضله في كل شئونه، ولذا تراه إذا تناول طعامه -وإن كان من خشن الخبز وجاف الشعير- يتناوله تناول الراضي الشاكر، ويقول في ختام الطعام: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" وإذا شرب الماء القراح قال: "الحمد لله الذي جعله عذباً فراتاً برحمته، ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا".
وإذا اكتسى ثوبا أو عمامة أو نحو ذلك قال: "الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، اللهم إني أسألك من خيره وخير ما هو له".
وإذا ركب دابة قال ما علمه الله إياه: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون) (الزخرف: 13، 14).
وإذا استيقظ من نومه قال "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور".
وإذا قضى ضرورته البشرية وخرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني".
وإذا رأى مبتلى في جسمه أو حواسه قال: "الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً من خلقه".
وإذا تم له أمر على ما كان يبغي ويريد قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات".
وإذا خاب له رجاء أو حدث له ما يكره بطبيعته البشرية قال: "الحمد لله على كل حال".
وإذا استقبل وجه الصباح قال: "اللهم إني أصبحت منك في نعمة وعافية وستر، فأتم علي نعمتك وعافيتك وسترك في الدنيا والآخرة، اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك .. فلك الحمد ولك الشكر".
وإذا أظله المساء قال مثل ما قال في الصباح.
فهذا هو شعور المؤمن دائماً، شعور الذاكر لنعمة الله، الشاكر لفضل الله (وما بكم من نعمة فمن الله) (النحل: 53) (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (إبراهيم: 34).
ولا عجب أن كانت أول آية في كتاب الله الخالد -بعد البسملة- آية تشعر المؤمنين أبداً بنعمة الله وإحسانه وتوجههم إلى حمده وشكره، تلك هي آية فاتحة الكتاب (الحمد لله رب العالمين) (الفاتحة: 1)، ولا غرو أن جعل الإسلام تلاوتها فريضة يومية يكررها المسلم كل يوم ما لا يقل عن سبع عشرة مرة في صلواته الخمس.
 





إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات