(فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ)

السبت 20 أغسطس 2011 - 02:59 مساءً

(فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ)

(فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ)

 

ما هو الصفح؟ وما هو الجميل منه؟ وما علاقته بسعادة الإنسان وراحته في الحياة؟
قد يُقال بأنّ الصفح هو العفو الذي هو التجاوز عن الذنب، فإذا قلت: عفوت عن فلان، أردت بأنّك تجاوزت عن ذنبه ولم تؤاخذه به.
والعفو مرغوب ومطلوب لذاته، وقد قال تعالى: (وأن تعفو أقرب للتقوى) (البقرة/ 237)، وفي الحديث الشريف عن رسول الله (ص): "إذا وقف العباد – يوم القيامة – ناد منادٍ: لِيَقم مَن أجره على الله، وليدخل الجنّة، قيل: مَن ذا الذي أجره على الله؟ قال: العافون عن الناس"(1).
وذلك مصداق قوله تعالى: (وجزاء سيِّئة سيِّئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله...) (الشورى/ 40).
وفي المأثور، عن النبي (ص) أيضاً: "مَن كثر عفوه مدّ في عمره"، وفي ذلك إشارة إلى أنّ الإنسان الكثير العفو يعيش في راحة بال وعافية، تُحسِّن حاله وتمدّ في عمره.
والسبب في ذلك أنّ خلاف العفو هو الإنتقام، والإنتقام وإن كان يُشفي غليل الإنسان لبرهة من الزمن، ولكنه على أي حال: إنتقام، وهو يحمل معه الحقد والنقمة ويورث الضغينة في النفوس، فتضيق على صاحبها الدنيا، لأنّه تجعله يحسّ بالعداء مع الآخرين وعدائهم له، وبالتالي سيرث القلق والإضطراب، بل الخوف.. فيرتد ضائقاً بنفسه التي ضاقت ولم تتسع للعفو.
إذن، مَن عفا عفا الله عنه وكان في راحة من نفسه وسلامة لمستقبله، ويبقى خيار العقوبة بالمثل قائماً لمساحة ضيقة، وذلك إذا كان المُسيء لئيماً والعفو يزيد في لؤمه، أو في عدوانه، أو كان العفو يورث وهناً للحق وسلطانه، وفي هذا نقرأ من المأثور عن أحد السلف :
"العفو يفسد من الليئم بقدر إصلاحه من الكريم".
"جاز بالحسنة وتجاوز عن السيِّئة ما لم يكن ثلماً في الدين أو وهناً في سلطان الإسلام".
وعود على بدء، فإنّ الصفح هو العفو وزيادة، فهو: "عفو من غير عقوبة، ولا تعنيف، ولا عتب".
فهو أبلغ من العفو، لذا قال تعالى: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) (البقرة/ 109).
فقد يعفو الإنسان ولا يصفح، كأن لا يعاقب الطرف المُسيء ولكنه لا يواصله ولا يتعامل معه، ولكن الصفح يكون بالعفو وإلغاء أي أثر للإساءة في النفس، ليفتح الإنسان صفحة جديدة مع الآخر المُسيء.
ففي اللغة: صفحت عنه: أوليته منِّي صفحة جميلة معرضاً عن ذنبه، أو لقيت صفحته – وجهه – متجافياً عنه، أو تجاوزت الصفحة التي أثبت فيها ذنبه من الكتاب إلى غيرها.. والمصافحة: الإفضاء بصفحة اليد(2).
فالصفح ليس تجاوزاً عن ذنب المُسيء فحسب، بل غلق القضية تماماً، من دون عتاب وتذكير بها، وفتح صفحة جديدة بيضاء في العلاقة، لا شوب فيها ولا غش، ليتعايش الطرفان في ودٍّ وسلام، لذلك قال تعالى: (فاصفح عنهم وقل سلام) (الزخرف/ 89).
إنّه السلام الذي يملأ القلب فيفيض على الآخرين، وهكذا كان الصفح جميلاً، لأنّه ينفي البغض والضغينة وكل قبيح، ويتعامل بالحبّ والمودّة وكل جميل.
إنّ الإنسان المتسامح مع غيره، ينفع نفسه أوّلاً ومن ثمّ يسري النفع إلى غيره، لأن في التسامح سماحة النفس وسلامة القلب وراحة البال واطمئنان الوجدان.
إذا كان بمقداري أن أمسح ما في قلبي من غلٍ وحقد على الآخرين وأعيش مرتاحاً أستنشق الهواء بصدر واسع رَحِب، فلماذا أضيق على نفسي وأجعل روحي حبيسة العصبية والأحقاد والضغائن.
لنتساءل معاً: أي نفس أكبر، التي تعفو أم التي تنتقم؟
إن الصفح هو الخطوة التالية والأخيرة أيضاً .
إن الصفح هو أن تتحرر من إحساسك بالجرح .
عندما لانصفح ،فإننا نتجمد من الكراهية .
لا نريد أن نصفح ؟ ربما يكون لدينا قائمة طويلة من الأسباب الوجيهة لذلك . بدون الدخول في جدال حول حقيقة أننا قد جُرحنا، فإن هناك سؤال لابد أن يُطرح ألا وهو لماذا نحن الوحيدون *مازالنا نعاني ؟
فإذا كان الشخص الذي جرحك قد تأثر بمعاناتك حتى شعر بالذنب والندم ، وسارع بإرضائك تعويضاً لك عما بدر منه تجاهك ، فأغلب الظن أن هذا الشخص لم يكن ليقصد ابدأً أن يجرحك في المقام الأول .
إن الحياة دائماً ما تصبح معقدة عندما تخفي إحساسك بالألم في انتظار قدوم الآخرين كي تعتذروا ، إن كبحك ألمك يحول إلى غضب ويجعلك تشعر وكأنك ضحية .
إذا كنت تتوقع من الآخرين إصلاح ما أفسدوه ، فإن خيبة الأمل ستلازمك.
 
فلهذا نحن بحاجة إلى أن نصفح عن الآخرين بالقدر الذي نستحق إن يصفحوا به عنا .







إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات