المجتمع في عصر النبي محمد (ص)

الاثنين 03 أكتوبر 2011 - 03:21 مساءً

المجتمع في عصر النبي محمد (ص)

المجتمع في عصر النبي محمد (ص)

 

لقد كانت القبيلة هي الكيان السياسي الوحيد المعروف لغالبية العرب قبل الإسلام، وكان القليل من هؤلاء العرب مطلعاً شخصياً على أوضاع الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية ومملكة الحبشة الأصغر، ولكن القصص الشائعة عنهما تبيّن أنّ العقلية الشعبية تصورتهما كقبائل كبيرة جدّاً، وبذلك كانت القبيلة أو إتحاد القبائل هي الأنموذج الوحيد الملائم بالنسبة للكيان السياسي الجديد الذي أقامه المسلمون في المدينة. لقد كانت القبيلة في عصر محمد (ص) وما تزال مجموعة قرابة جوهرها جماعة من الناس تنتسب إلى جد أعلى مشترك، وكان هذا النسب في العصر الإسلامي أبويا دائماً، لكنه كأن في السابق نسبا أموميا في بعض الحالات، والنسب المشترك هو أساس القبيلة في كل الأحوال. ومن ناحية أخرى، كان يمكن لأي شخص لا يرتبط بالقبيلة بعلاقة نسب (صلة دم) أن يرتبط بها بوصفه حليفاً أو جاراً أو مولى، لكن التفاصيل ليست لها أيّة أهمية هنا. وتوحي المصادر بأن عصر محمد (ص) شهد إرتباط عدد كبير من الأشخاص بالقبيلة دون الإنتساب إلى جدها المشترك، وبعضهم أقام مع القبيلة لبعض الوقت بينما أقام الآخرون معها بشكل دائم، وكلا المجموعتين، ولكن بشكل أكثر تحديداً المجموعة التي عاشت مع القبيلة على الدوام، مالت إلى التزواج الداخلي مع القبيلة (الزواج اللحمي)، وبذلك أصبحوا أقرباء لكل أفراد القبيلة سواء من الرجال أو النساء. وسيتيح الإلتباس في النسب نتيجة لهذه العلاقة لمجموعات الأشخاص المحميين (الجار/ المستجير/ الدخيل) الادعاء فيما بعد بأنّهم أعضاء في القبيلة بالدم، وهناك أسس خيالية لعدّ بعض الأنساب القبليّة لحقبة ما قبل الإسلام بُنى تفسر أو تسوغ العلاقات الإجتماعية اللاحقة، وكان لشخص آخر ليس أبوه الحقيقي ويَعرِفُ الناس ذلك عنه، والتسمية العربية لهذا الإبن هي (دعَيّ) التي تتضمن أي شيء يماثل التبني القانوني الحديث.
هكذا كانت القبيلة العربية في عصر محمد (ص) مجموعة قرابة بسيطة لكنها ذات بنية معقدة، ولأنّ هذه البنية تُفهم بلغة القرابة فحينما لا تكون هناك قرابة فعلية يتم التأكيد أحياناً على القرابة الخيالية، وكانت القبيلة الكبيرة والقوية كياناً سياسياً ذات سيادة لا يدين بالطاعة لغيره، وهي تحمي نفسها وتضمن الأمن لأفرادها بقدرتها العسكرية الذاتية، وتنقسم إلى أجزاء تنقسم بدورها إلى أجزاء وهكذا، والأجزاء الصغيرة التي تقوم على القرابة، كما هو الأمر في القبيلة الرئيسية تماماً، ربّما تصبح يوماً ما قبائل فرعية، عشائر وأسر. وإذا أصيبت القبيلة بسوء وتناقص عدد أفرادها بحيث تعجز عن الدفاع عن نفسها على نحو كافٍ، فإنّها قد تطلب الحماية من قبيلة قوية لتصبح عندها في وضع متدن وربّما تحتويها القبيلة القوية في النهاية، وربّما ترتبط بعض القبائل أيضاً بتحالف أو إتحاد مؤقت أو دائم، وكان النظام القبلي هو أساس مثل هذا الأمن مثلما هو أساس الحياة والمِلكية الإقتصادية طالما أنّ القبيلة تحاول تفادي العنف بين أفرادها ولا تشجع العنف من قبل أفراد القبائل الأخرى، وعندما هاجر محمد إلى المدينة في عام 622م مع حوالي سبعين من المسلمين المكيين، واجه على الفور مشكلة ضمان أمنه وأمن هؤلاء المهاجرين الذين فصلتهم هجرتهم عن حماية عشائرهم في مكة مما جعلهم بحاجة إلى بديل عنها، وربّما تمت تسوية المسألة قبل أن يقرر محمد (ص) الذهاب إلى المدينة، ويُفترضُ أن تتوافق هذه التسوية تماماً مع الوثيقة المعروفة بدستور المدينة/ الصحيفة حتى إذا كان الشكل الباقي من هذه الوثيقة يعود بتاريخه إلى حوالي العام 628م. وتتعلق وظيفة المهاجرين كجماعة قرابة ووفقاً لدستور المدينة بالأمن (عبر المسؤولية المشتركة عن دفع الديّة مثلا)، فقد كان المهاجرون من ذوي القرابة لأنّهم جميعاً ينتمون إلى قبيلة قريش على الرغم من إختلاف عشائرهم، وكانوا، فضلاً عن ذلك وبوصفهم قبيلة واحدة، متحالفين مع ثمانية عشائر مدينية، وتشترك هذه المجموعات التسع في حماية بعضها من العنف خصوصاً عنف المشركين المكيين. وعليه، يمكن عدّ الكيان السياسي الجديد الذي نشأ عندما ذهب محمد إلى المدينة كياناً منسجماً مع التقاليد العربية من حيث هو تحالف قبائل للدفاع والإسناد المتبادل، وفي الواقع أن بعض العادات اعتمدت أيضاً على وظيفة القرابة، فقد دعا محمد (ص) أتباعه من أهل المدينة لمؤاخاة المهاجرين وسرى مفعول هذه المؤاخاة ظاهرياً حتى لأغراض الميراث.
وكان هنالك من ناحية أخرى شعور أحياناً بأنّ الكيان السياسي الجديد يمثل أُمّة أو جماعة تقوم على الدين لا القرابة، حيث كانت عضوية التحالف الذي تكوّن المجتمع على أساسه مفتوحة فقط لمن آمنوا بأنّ محمداً هو رسول لله حسبما يبيّن دستور المدينة. وكانت القبائل المختلفة والمنتمية إلى هذا التحالف متحالفة بدورها بشكل غير رسمي مع جماعات ليست في الحلف، حيث كان لقبائل المدينة علاقات وثيقة مع الجماعات اليهودية المختلفة هناك وبعض القبائل البدوية في الجوار، وبعض المعاهدات المبكرة بين محمد (ص) والقبائل البدوية المحيطة بالمدينة لم يفرض على هذه الأخيرة إعتناق الإسلام. إلا أنّ هذه العلاقات، وعلى الرغم من إعتراف مجتمع المدينة بها وإحترامه لها، لم تمنح القبائل والعشائر المقصودة عضوية كاملة في ذلك المجتمع، فقد كان التحالف الذي أنشأ مجتمع المدينة وعلى الرغم من توافقه مع العرف العربي تحالفاً من نوع خاص أساسه إعتراف كل فرد فيه بأنّ محمدا رسول الله، واستمر العمل بالأشكال القديمة للتحالف، لكن المجتمع الجديد قام أساساً على هذا الإعتراف العام، فكان أساسه الدين وليس النسب ولا التحالف.
لقد أحدث تكوين المجتمع الإسلامي في المدينة تعديلاً شاملاً في المؤسسة السياسية هناك، حيث كان يمكن لمحمد (ص) عندما بدأ دعوته في مكة أن يكتفي بتحول الناس إلى عبادة الله مع بقاء البنى السياسية على ما هي عليه، لكن المشركين المعارضين الذين ربّما أدركوا المضامين السياسية لدعوته بوضوح أكبر منه، لم يقبلوا برسالته بأي شكل يمكن أن يوافق هو عليه، ويبدو أنّ هذا ما أجبره على إختيار الإنغماس في السياسة بدلاً من التخلي عن دعوته. لقد بدأ بالإعتقاد بأنّ النبي أو الرسول مرسل من الله إلى قوم النبي أو قبيلته، إلا أن صعوبة الإستمرار في هذا الإعتقاد عندما تكون أغلبية قبيلة النبي معارضة له، جعلت القرآن يتوقف عن الحديث عن قبيلة النبي أو (القوم) ليتكلم بدلاً عن ذلك عن الجماعة (الأُمّة) التي ستكون بهذا المعنى كياناً دينياً أساساً، وكان اليهود والمسيحيون مجتمعات/ كيانات دينية (أُمم) ويماثلهم في ذلك المؤمنون من المكيين والمدينيين الذين اتبعوا محمداً (ص) وكونوا جماعة دينية (أُمّة) أخرى. وهكذا تم تدريجياً تعديل فكرة العرب القديمة عن القبيلة أو جماعة القرابة لتحل محلها فكرة الجماعة الدينية (الأُمّة)، وربّما استطاع الكيان السياسي الجديد في المدينة أن يقوم وببساطة كتحالف وفقاً للمفهوم التقليدي، ولكن التطور اللاحق لهذا التحالف لم يكن ممكناً دون المفهوم الجديد خصوصاً بعد أن حظي محمد (ص) فيه بموقع القيادة.
وإذ ازدهر مجتمع المسلمين الصغير في المدينة إقتصادياً وانتصر عسكرياً، وكان نجاحه في غزواته أكثر من فشله، فقد بدأ الأفراد والجماعات يلتحقون به في تدفق دائم على المدينة لممثلين مفوضين من قبائل وأجزاء من قبائل ينشدون التحالف مع محمد بعد فتح مكة والإنتصار في معركة حُنين في عام 630م. وكان الجواب الإعتيادي لهؤلاء الممثلين أن قبولهم كحلفاء يُلزمهم بالوعد بطاعة الله ورسوله ودفع الزكاة أو الصدقة الشرعية، وبهذه الطريقة اكتسب الوضع الخاص لمحمد كرسول لله أهمية سياسية بالغة، حيث منحه هذا الوضع الخاص في الأشهر الأولى في المدينة ما هو أكثر من الهيبة، ولكن سلطته أصبحت مطلقة في السنوات الأخيرة من حياته. وتم حِفظُ بعض المعاهدات والوثائق القانونية من سنوات محمد (ص) الأخيرة، ويبدو أن أغلبها أصيل، ولم تتحدث هذه المعاهدات والوثائق عن الجماعة كأُمّة لكنها استخدمت مصطلحات أخرى مثل الجماعة التي تشير إلى إتحاد للقبائل، وغالباً ما أكدت التطوّرات اللاحقة الكيفية التي تم بها تصور الدولة الإسلامية في ذلك العصر، ولم يتضح فيما إذا كان بالإمكان عدّ التحالف الواسع للسنوات الأخيرة مماثلاً للتحالف الذي وصفه دستور المدينة. واستمرت الأُمّة ككيان وثيق الإرتباط داخل هذا التحالف الواسع، وأيا كان الخيار الأقرب إلى الحقيقة، فقد بقيت الدولة الإسلامية إتحاداً للقبائل على الرغم من أسسها الدينية.
وليس من المؤكد أيضاً ما إذا كان بإمكان المرء أن يصبح فعلاً مسلماً وعضواً في هذه الدولة دون أن يكون أيضاً عضواً في قبيلة متحالفة مع محمّد (ص) الذي لاشك أنّه قَبِلَ باعتناق الإسلام فردياً، فالذين اسلموا من قريش يمكن إضافتهم ببساطة إلى عشيرة المهاجرين في المدينة، أمّا المهاجرون من الأفراد والجماعات من أعضاء القبائل الأخرى، فإذا لم يكونوا على قدر من الأهمية يكفي ليعقدوا معاهدات خاصة بهم فربّما كانوا يضافون إلى المهاجرين القرشيين كحلفاء أو جيران محميين أو موالي. وكانت هناك من ناحية أخرى أمثلة عن أشخاص ادعوا أنّهم مسلمون، لكنهم قتلوا على يد المقاتلين المسلمين، ولكن ربّما كان هذا ببساطة نتيجة لحقيقة أن مضامين المفهوم الجديد للدولة لم تكن مفهومة بصورة ملائمة من الأشخاص العاديين، ومن المحتمل أن نواب محمد (ص) الأساسيين كانت لديهم سلطة إستقبال من يعلنون إسلامهم، وعليه فبينما يمكن النظر إلى الدولة الإسلامية كإتحاد قبلي يقوم على أساس ديني، فقد كانت تُعَدّ أيضاً قبيلة من بعض الأوجه. وإذ كان المسلمون أخوة مثلهم في ذلك مثل أعضاء القبيلة، فلا يمكن أن ينتهكوا حرمات بعضهم، وفي الوقت نفسه وبسبب الأساس الديني للجماعة الإسلامية، كان غير المسلمين أعداءً أو أعداءً محتملين لها ويجب معاملتهم على هذا الأساس بإستثناء من تحالف منهم مع محمد (ص).
لقد هيأت هذه الأفكار العرب للوحدة السياسية، ووجهت ميولهم للغزو إلى الخارج، فغزوا أوّلاً القبائل العربية غير الحليفة حتى أسلمت كلها، ثمّ تحركوا أبعد فأبعد خارج أرضهم موجهين غزواتهم إلى الأراضي المحيطة وسكانها، وهكذا كيّف الإسلام مؤسسات القبيلة والإتحاد العربية التقليدية، وإستخدمها بشكلها الجديد هذا لهداية العرب وخلق إمبراطورية من نوع جديد. وقدم مفهوم العرب عن القبيلة حلاً بارعاً أيضاً لما يدعى اليوم (مشكلة الأقليات)، حيث كان من الطبيعي للقبيلة القوية أن تضع تحت حمايتها القبائل الضعيفة والجماعات الصغيرة الأخرى، ولجأ محمد (ص) إلى هذه الممارسة عندما واجه جماعات رفضت أن تُسلِمَ لسبب أو آخر، وربّما كانت لديه في البداية علاقات كهذه مع القبائل الوثنية مكنتها من البقاء على وثنيتها، لكنه مال مع نمو قوته إلى أن يطلب من هذه القبائل إعلان إسلامها ويفرض على الجماعات اليهودية والمسيحية وضع القبيلة التابعة. وبانتشار الإسلام خارج الجزيرة العربية، عقدت جماعات مسيحية عديدة معاهدات مع الفاتحين المسلمين حصلت بها على وضع مماثل احتفظت فيه باستقلالها الداخلي وضمنت حماية الدولة الإسلامية لها مقابل ضريبة محددة (جزية) تدفعها لهذه الدولة.
وإذا كانت مسألة شرف بالنسبة للقبيلة البدوية أن تحمي فعليا أولئك الذين وضعتهم تحت حمايتها، فقد شعرت الدولة الإسلامية أيضاً بمسؤوليتها عن ضمان حقوق الجماعات التي تعهدت بحمايتها (أهل الذمة)، ويعنى هذا أنّ للإسلام بشكل عام سجلاً ممتازاً في مجال التعامل مع الأقليات الدينية، أمّا من لم يُسلموا وقاتلوا العرب وهُزموا أمامهم واستسلموا لهم دون قيد أو شرط، فكانت لهم في البداية أوضاع مختلفة عمن اتفقوا مع المسلمين سليماً وبشكل طوعي، لكن أوضاع المجموعتين تشابهت في النهاية. واقتصرت هذه الحماية في البداية أيضاً على أهل الكتاب وتحديداً اليهود والمسيحيون، ولكن إتصال المسلمين بالزرادشتيين والبوذيين والهندوس وغيرهم ممن رفضوا التخلي عن أديانهم، دفع بالمسلمين إلى عدّ كل هؤلاء من أهل الكتاب ليمنحوهم بذلك وضع الجماعة المحمية أو أهل الذمة.
 





إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات