الشيخ والثورة.. حكاية واقعية جداً (1-2)

الخميس 20 سبتمبر 2012 - 05:16 صباحاً

الشيخ والثورة.. حكاية واقعية جداً (1-2)

عمار علي حسن

 

حين كانت الدعوة للغضب قد أخذت مداها على شبكات التواصل الاجتماعى، كان الشاب حنفى سليم يجلس بين صفوف متتابعة فى مسجد وسيع ينصت إلى شيخه، الذى ينطق الحروف بصوت فخيم، ويعنعن عن كثيرين، ويحيل كل ما يقوله إلى كتب قديمة مؤلفوها تقع أسماؤهم فى أسماع الجالسين وقع السحر، ثم يأتى بأمثلة وحكايات تأخذ ألبابهم التى سلموها له، وباتوا كالموتى بين أيدى مغسليهم. وبعد أن يبحر بهم فى دهاليز التاريخ، ينتهى من رحلته الطويلة قائلا:
 
- طاعة ولى الأمر واجبة.
 
وحين سأله رجل كان يجلس فى الركن البعيد، لم يكن من تابعيه:
 
- حتى لو ظلم؟
 
فابتسم، ومد يده ليمسد لحيته الشهباء، وقال:
 
- حاكم غشوم خير من فتنة تدوم.
 
عاد الرجل يسأل:
 
- وهل الاحتجاج على الطغيان والفساد من قبيل الفتنة؟
 
وهنا التفت إليه حنفى سليم وقال غاضباً:
 
- لا تجادل.
 
فمسح الرجل كل من بالمسجد بعينيه، وهز رأسه، وابتسم، ثم قام إلى الجَزَّامة التى تتمدد مستكينة على يساره، التقط حذاءه، ومضى صامتا.
 
بعد الدرس أشار الشيخ حارس البنهاوى إلى حنفى قائلا:
 
- تعالَ يا بنى.
 
فنهض إليه، ووقف أمامه صامتا. مد الشيخ يده وأخذ يد حنفى، ونظر فى عينيه، وقال:
 
- إياك وافتعال المشكلات مع الناس.
 
- أنا دافعت عن الدين.
 
- نعم، لكن الرجل كان يكلمنى، ولست عاجزا عن الرد عليه.
 
- عفوا يا شيخنا، لم أرد عنكم، لكن جدله غاظنى.
 
ربت على يده وقال:
 
- علينا أن نصبر على هؤلاء. العلمانيون أفسدوا الناس، وأمامنا شوط طويل حتى نعيدهم إلى الإسلام.
 
- هذا أملنا يا شيخنا.
 
- ولا نملك وسيلة لتحقيقه سوى التحايل والصبر والطاعة.
 
- طاعة الله واجبة.
 
- هذه مفروغ منها، لكننى أقصد طاعة من بوسعهم أن يحرمونى من لقائكم كل ليلة هنا عقب صلاة العشاء.
 
أطرق حنفى صامتا، وامتلأت عيناه بسؤال حائر. لكن الشيخ لم يدعه للحيرة، وقال له:
 
- فى هذا البلد هناك من يعدون علينا أنفاسنا، ولولا أننا نريحهم، وننصت إليهم، وننفذ ما يقولون لنا، لحجبونا عنكم فى منازلنا، أو أخذونا إلى غياهب الجب.
 
- من هم يا شيخنا؟
 
- أمن الدولة.
 
وسادت لحظة صمت، كان المسجد فيها قد فرغ من المصلين تماما إلا من مجموعة شباب تنتظر الشيخ، حتى تصحبه إلى سيارته الفارهة التى تنتظره أمام باحة الجامع كما يفعلون كل ليلة.
 
قام ومشى حنفى على يساره، فوضع يده على كتفه، وقال له:
 
- رأيتك مخلصاً، فبحت لك بهذا السر، لأننى أشعر بأنك فى الأيام المقبلة، سيكون لك دور كبير فى سبيل الدعوة.
 
- أتمنى أن أكون دوما عند حسن ظنكم يا شيخنا.
 
وخرج الملايين إلى الشوارع عقب صلاة الجمعة، وانسل الشيخ منسحبا إلى داره. صلى، وجلس يقرأ التسابيح، فجاءه صوت زاعق من خارج المسجد: «الشعب يريد إسقاط النظام».
 
قام سريعا والتقط حذاءه، وخرج من الباب الجانبى وخلفه حنفى وبقية تابعيه. طلب الشيخ من سائقه أن يأتى بالسيارة بعيداً عن مدخل المسجد، فلما جاءه بها، ركب على الفور، وقال للشباب قبل أن ينطلق:
 
- ارجعوا إلى بيوتكم ولا تشاركوا فى هذه الفتنة. عاد حنفى صامتاً. ركب الأتوبيس عائداً إلى منطقة فيصل حيث يسكن. قبيل ميدان الجيزة توقفت السيارات تماما، وجاء صوت هادر، ثم بان حشد يدق الهواء، وفجأة هرعت عربات الأمن المركزى، ونزل الجنود، وراحوا يطلقون القنابل الخانقة، وخراطيم المياه. نزل حنفى من الأتوبيس، ودخل موقف «ميكروباصات» ليستقل واحداً إلى البيت. كان السائقون يقفون خارج حافلاتهم الصغيرة، وعيونهم ذاهبة إلى أسفل الكوبرى حيث الدخان والصياح. قال لأحدهم:
 
- فيصل يا أسطى.
 
فنظر إليه سريعا، وقال:
 
- صعب التحرك الآن مع هذه المظاهرة.
 
وقف دقائق، لكن بدا له أن السائقين مندمجون فى متابعة هذا المشهد الاستثنائى فى حياتهم. هو أيضا لم ير مثله من قبل، لكنه يكاد يغمض عينيه حتى لا يخالف أمر شيخه. ألم يقل له إنها فتنة؟ لا معقب على كلام الشيخ. هو يعرف أكثر. لابد أن لديه معلومات. نعم لديه ما يجعله مطمئناً إلى وصف ما يجرى بالفتنة. ربما هى مصلحة الإخوة، وهو يقدرها حق قدرها. ربما هو الدليل الشرعى الذى يعرفه هو، ويفهم معانيه ومراميه.

مصدر الموضوع: المصري اليوم






إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات