أحدث الأخبار:

عقول مضيئة ببورسعيد والزقازيق

الثلاثاء 25 سبتمبر 2012 - 04:41 صباحاً

عقول مضيئة ببورسعيد والزقازيق

إبراهيم البحراوي

 

إذا كانت القاهرة تزهو بكونها فى موقع الرأس من الجسد المصرى وإذا كنا نظن نحن سكانها أننا نشكل فكرها وعقلها بما نكتبه فى الصحف ونقوله فى القنوات الفضائية.. فإن تجربتى فى التعامل مع مراتب متنوعة من العقليات لعلماء ولتلاميذ صغار ولمواطنين صالحين فى مواقع عمل عديدة تشير إلى أن هناك مراكز جديدة للفكر السياسى تنمو وتزدهر فى أنحاء عديدة من مصر. إننى أرى أن واجبنا يتضمن تسليط الأنوار على هذه العقول المضيئة فى أقاليم ومدن مصر وقراها لتكون قدوة تنتشر وتتسع وتملأ أرجاء مصر ضياء وقدرة على إنتاج الحلول لمشاكلنا المزمنة.
 
أبدأ بتجربتى فى جامعة الزقازيق، حيث أشارك فى إدارة مركز الدراسات الإسرائيلية، التابع لمعهد الدراسات الآسيوية. إن التجربة هناك تزداد ثراء كل يوم بمشروعات البحوث العديدة وبالندوات والمؤتمرات التى تخاطب القضايا الساخنة والشاغلة لمصر وبوجود عشرات من الطلاب العرب الذين تفتقدهم جامعات القاهرة جاءوا إلى الزقازيق، لينضموا إلى برنامج الدراسات العليا فى العلوم السياسية والاقتصادية والفكر الدينى.
 
إن هذا الحضور العلمى العربى يعيدنا إلى أيام مجد الجامعات المصرية عندما كانت الكعبة الوحيدة لطلاب العلم العرب منذ إنشاء الجامعات المصرية فى مطلع القرن العشرين وحتى نهاية الستينيات. إن العزوة التى تمتعت بها مصر، وتمتعنا بها كعلماء مصريين فى الأقطار العربية بحكم وجود خريجينا فى مواقع التأثير والوظائف العليا بدولهم فى النصف الثانى من القرن العشرين - كانت مجرد ثمرة واحدة لقدرة جامعات العاصمة على جذب الطلاب العرب. لقد انتقلت هذه الميزة التنافسية الجاذبة إلى جامعات خارج القاهرة ومنها جامعة الزقازيق، وإذا كان الأثر الفكرى والعلمى المضىء هو الأهم فى هذه التجربة فإنه يجب ألا ننسى أيضاً أن الطالب العربى يسدد للخزانة المصرية مبلغ 2400 جنيه إسترلينى فى الفصل الدراسى وهو أمر يمثل مورداً اقتصادياً داعماً للجامعة المصرية ويخفف الأعباء على ميزانية الحكومة. إذا أضفنا الدور التنويرى الذى يقوم به معهد الدراسات الآسيوية فى مدينة الزقازيق ومحيطها فإننا نكتشف كنزاً من المعارف فى سلسلة الندوات والمؤتمرات والمشروعات العلمية، على سبيل المثال انظر إلى العناوين والأسماء التالية: 1- «أخلاقيات الأمم فى زمن التغيير السياسى» للدكتور عبدالحميد مدكور، أستاذ الفلسفة والفكر الدينى.
 
2- «إسلاموفوبيا فى الغرب» للدكتور سعيد اللاوندى.
 
3- «التجارب الديمقراطية الإسلامية فى آسيا وكيفية استفادة مصر منها» د. فتحى العفيفى.
 
4- «القضية الفلسطينية فى ضوء المتغيرات»، وهو مؤتمر تشارك فيه كوكبة من العلماء والباحثين المصريين والفلسطينيين فى شهر نوفمبر القادم، وأشارك فى إدارته مع الدكتورة هدى درويش، عميدة المعهد.
 
إذا انتقلت إلى مسقط رأسى مدينة بورسعيد فإن نماذج العقول المضيئة التى أدخل اكتشافها على نفسى بهجة عميقة واطمئناناً إلى مستقبل مصر، تبدأ بفتى يافع تلميذ بالمدرسة الإعدادية اسمه محمود محمد جلال، ابن إحدى قريباتى، فاجأنى عندما لقيته لأول مرة بإلقاء التحية علىّ باللغة العبرية فرددت عليه فبادلنى عدة عبارات أخرى. عندما سألته أين تعلم هذه الكلمات أجابنى بأن تعلم الكلمات فى أى لغة لم يصبح مشكلة، فالقواميس موجودة على شبكة الإنترنت، وأضاف أنه كان يريد الاتصال بى منذ فترة لأنه يريد منى إمداده بكتب يتعلم منها القواعد والنحو وتركيب الجملة فهو يريد فى النهاية أن يتقن استعمال هذه اللغة، كتابة وقراءة وحديثاً. سألته: هل تعنى أنك تريد عندما تكبر أن تلتحق بقسمنا العلمى فى جامعة عين شمس حيث نعلم اللغة العبرية وآدابها والفكر الدينى والسياسى وندرس المجتمع الإسرائيلى؟ أجابنى الفتى محمود فى ثقة: كلا فأنا سأتخصص فى الهندسة والتكنولوجيا، أما العبرية فأنا أريد تعلمها لأننى مشغول بالبحث عن طريقة لتحرير القدس. غمرنى كما سيغمركم إحساس بالفخر بهذا الجيل الجديد الذى عاصر ثورة يناير وهو بين السادسة والثانية عشرة من العمر فاكتسب صلابة الثوار وتفتحت مداركه على خدمة الوطن والأمة.
 
إذا تحولنا من عالم جيل المستقبل إلى عالم صناع الحاضر فإنه يسعدنى أن أعلن عن اكتشافى منارة علمية مشعة فى عمق سيناء على أطراف مدينة بورفؤاد. بدأ الاكتشاف بزيارة من شاب بورسعيدى لى من عائلة تجار عريقة قريبة إلى نفسى، فلقد كان أعمامه زملائى فى المدرسة ورحلنا معاً إلى القاهرة للالتحاق بالجامعة فى بداية الستينيات. الشاب اسمه مصطفى الصياد يعمل فى مجال التجارة. جاءنى يطلب المساعدة العلمية باعتباره معداً ومقدماً لبرنامج عن إسرائيل فى قناة تليفزيونية تحت الإنشاء، اسمها بورسعيد سات. ذهلت من درجة اهتمامه بالمراجع العلمية، وطلبت منه أن يعرفنى بفريق القناة فوقع الاكتشاف عندما توجهنا لزيارته فى بورفؤاد، الرجل اسمه أحمد عبدالعال من كوادر وزارة الثقافة المصرية. عمل ملحقاً ثقافياً فى أوروبا فى شبابه ولم يعد إلى مصر حيث عمل مستشاراً ثقافياً بدول الخليج لسنوات.
 
أخيراً عاد الرجل منذ سنوات قليلة لينشئ منارة مجانية، حيث أسس مكتبة للاطلاع المجانى تضم 40 ألف مرجع وموسوعة وكتاب فى مختلف العلوم، وتضم كتباً فى التراث. اجتمع حول الرجل شباب المدينة المهتم بالمعرفة وقرروا إنشاء قناة تليفزيونية تحمل اسم المدينة وتنشر العلم والمعرفة بالواقع. الجميع يعملون متطوعين، بينهم الطبيبة رانا الريدى،والمحامية سمر الشربينى، والمرشد السياحى إسلام كمال، وإبراهيم عثمان، والموظف الحكومى زكريا دياب. ألا تستحق هذه العقول المضيئة أن نحتفى بها ونشجعها ونتفاءل من خلالها بحاضر مصر القريب وبمستقبلها البعيد.

مصدر الموضوع: المصري اليوم








إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات