البكاء على الدستور المسكوب!

الاثنين 12 نوفمبر 2012 - 04:54 صباحاً

البكاء على الدستور المسكوب!

معصوم مرزوق

 

بعد أن تتالت «مسودات» الدستور كزخات المطر خلال الأيام السابقة، وبعد أن تاه الناس بين فتاوى أهل السياسة والقانون، وبعد أن أحالت المحكمة الإدارية وضع الجمعية التأسيسية إلى المحكمة الدستورية، وبعد قراءة متمعنة لآخر زخة من هذه المسودات، أترحم على دستور 1971 الذى كان يمكن أن يكون وثيقة عمل صالحة بعد حذف عوراته الواضحة وسلخ بعض السلطات الاستبدادية لرئيس الدولة، ضمن أشياء أخرى.
 
لو افترضنا حسن النوايا فسنصدق أن تيار الإسلام السياسى المسيطر على عمل الجمعية يرغب فعلاً فى إنجاز دستور تتباهى به مصر بين الأمم، وأن حرصهم على مواصلة العمل بإصرار، رغم توقع حكم الحل للجمعية، يعكس رغبة مؤكدة فى تحقيق الاستقرار القانونى، الذى هو بالضرورة مصلحة للحاكم الذى خرج من بين صفوفهم.
 
ومن نافلة القول أن نذكر أن الوثيقة الدستورية بطبيعتها لا تقبل المغالبة والاستئثار، وإنما هى ملخص واف لتوافق مجتمعى خلال حقبة معينة، وهذا التوافق المطلوب لا يفترض تطابقاً كاملاً مع المواقف الأولية لمختلف أصحاب المصلحة فى المجتمع، وإنما يمثل نقطة التوازن التى تحقق إمكانية العيش المشترك فى ظل إطار قانونى محكم.
 
وإذا افترضنا حسن النوايا فسنصدق أن القوى السياسية المعارضة لاستمرار الجمعية التأسيسية بتشكيلها الحالى تؤمن بأن التوافق يستحيل فى ظل استئثار فصيل سياسى بالقول الفصل فى مواد الدستور، وأن ذلك لن يؤدى إلى نقطة التوازن المطلوبة بين أصحاب المصالح المختلفة فى المجتمع. إلا أن السياسة بالتعريف ترفض المواقف الجامدة، وتتعامل مع المتغيرات بما يناسبها من مواقف دون التخلى عن الثوابت المبدأية التى لا تتحقق المصلحة إلا بها.. وبالنظر إلى حالة السيولة التى يمر بها الوطن والمخاطر المحدقة به سواء فى سيناء ومناطق أخرى أو تدهور الأوضاع الاقتصادية، فإن ذلك يستدعى إعادة النظر فى مسألة الاعتراض المطلق على تشكيل الجمعية، والاشتباك الإيجابى مع الفصيل السياسى المسيطر، بهدف الخروج من المأزق الحالى، والتوصل إلى وثيقة دستورية تلبى شواغل أصحاب المصالح المختلفة.
 
إن العمل السياسى الذى نطمع فيه بعد الثورة ينبغى أن يكون استجابة موضوعية لحاجات المجتمع والنظام السياسى المنشود، حتى لا يتمخض نضال الشعب المصرى عن اتجاه لإعادة توزيع السلطة فى إطار نفس النظام الذى كان قائما، بينما كان المطلب الرئيسى للثوار هو إعادة توزيع الثروة والسلطة بشكل أفقى على كامل التراب الوطنى.
 
وربما أبدو متفائلاً بأكثر مما تتيحه الظروف الموضوعية الحالية لمختلف القوى السياسية، ولكننى لا أرى مخرجاً من المأزق الحالى إلا من خلال مبادرة تلك القوى بالخروج من خنادقها والاشتباك الإيجابى بغرض إنقاذ الوطن، وفى هذا الصدد أجد لزاماً على فصيل تيار الإسلام السياسى الحاكم أن يتنازل عن بعض غروره ويقبل بحقيقة أنه لا يحتكر الحقيقة، على الأقل فى صياغة الوثيقة الدستورية التى لا يمكن أن تستأثر بها جماعة أو حزب أومجموعة مهما بلغت قوتها وعددها، كما أنه يلزم لباقى القوى السياسية المعارضة أن تبادر بطرح رؤاها بقوة فى «المسودة» المعروضة، فإذا رفضت القوة المسيطرة هذه الرؤى بغير مبرر مقنع فإنها ستصبح عارية أمام الرأى العام، وتصبح هى التى تمارس سياسة جامدة متجمدة.
 
وتطبيقاً لذلك، فإننى أود أن أشير باختصار إلى بعض الملاحظات، منها مثلاً الأساليب الإنشائية التى تناثرت فى مواد المسودة، وكذلك التزيد فى صياغة بعض الفقرات وتكرار بعض المعانى، ومثال على ذلك صياغة المادة الخامسة التى تنص على أن «السيادة للشعب، يمارسها ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية، وهو مصدر السلطات، وذلك كله على الوجه المبين فى الدستور»، وهى صياغة معيبة فى تقديرى، حيث يمكن الاكتفاء بسطر واحد فقط مؤداه أن «الشعب هو مصدر السلطات»، أما باقى المادة فهو تزيد، لأن صاحب السلطات يملك السيادة بالتأكيد، ويحميها بالضرورة، كما أن «صيانة الوحدة الوطنية» تعد واجبا والتزاما قانونيا وأخلاقيا يقع على عاتق السلطات بالدرجة الأولى وفى إطار القانون.
 
مثال آخر هو المادة الرابعة التى تتعلق بالأزهر، فليس واضحاً الغرض من إدراج هذه المادة، فالأزهر مؤسسة تعليمية، ومن ناحية أخرى تنص المادة على أنه «هيئة إسلامية مستقلة»، وهو ما يتناقض مع ما أوردته المادة بأن «تكفل الدولة الاعتمادات المالية لتحقيق أغراضه»، ثم ما هو المقصود بأن «يؤخذ رأى هيئة كبار العلماء..فى الشؤون المتعلقة بالشريعة الإسلامية»، فهى فقرة غامضة، فمن يتولى أخذ الرأى، وفى أى أمر تحديداً، لأن الشريعة الإسلامية من الاتساع بحيث يمكن أن تشمل كل شىء وأى شىء، ثم ما هو الأثر المترتب على هذا الرأى ودرجة إلزامه سواء للسلطات أو المواطنين؟.. ثم ما علاقة هذا النص بوثيقة دستورية؟.
 
أما المادة السادسة التى تنص على أن «يقوم النظام الديمقراطى على مبدأ الشورى… إلخ»، فهى تبدو مادة تعريفية تضع حدوداً للنظام الديمقراطى بإسناده إلى مبدأ الشورى، وهو مبدأ يحتاج بدوره إلى تعريف، ثم تستطرد المادة بتعداد بعض المبادئ الدستورية المتعلقة بالمساواة التى يتم ربطها بالمواطنة والتعددية السياسية والحزبية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وكفالة الحقوق والحريات.. إلخ، وفى تقديرى كان يمكن الاكتفاء بالنص على أن: «يكفل النظام الديمقراطى المساواة فى الحقوق والواجبات والتداول السلمى للسلطة، ويحظر إنشاء أحزاب سياسية على أساس الجنس أو الدين أو الأصل»، لأن أغلب ما ورد فى تلك المادة يعتبر تعريفاً للمعرف «أى النظام الديمقراطى».
 
وما تقدم هو مجرد أمثلة، وهناك الكثير مما يمكن قوله حول باقى المواد، وأتصور أنه ليس من الصعب التوافق حولها إذا خلصت النوايا، بدلاً من أن يأتى يوم نبكى فيه جميعاً على الدستور المسكوب!!.

مصدر الموضوع: اليوم السابع






إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات