الأزمة ليست في الحوار

الاثنين 10 ديسمبر 2012 - 01:53 صباحاً

الأزمة ليست في الحوار

حمدي قنديل

 

عندما أعلن فى التليفزيون قبيل منتصف الليل أن الحوار الوطنى الذى دعا له الرئيس شارف على الانتهاء، وأن نتائجه ستعلن فى مؤتمر صحفى بعد قليل، تذكر عديد من المشاهدين الليلة التى أنهت فيها الجمعية التأسيسية أعمالها بعد 19 ساعة متواصلة تم فيها سلق مشروع الدستور.. بدأ المؤتمر، وارتص الأعضاء على المنصة يتأهبون للظهور فى الصورة، ولكن غالبية مشاهدى التليفزيون، حتى أولئك المعنيون منهم بالشأن العام، لم يستطيعوا أن يتعرفوا على معظم الوجوه رغم أن التركيبة كانت مألوفة للكثيرين.. قليل من الرموز المستقلة التى يحظى بعضها بثقة ما فى الشارع المصرى، وحفنة من أساتذة القانون، وعدد مختار بعناية من ممثلى الأحزاب الكرتونية، وأحد الأقباط حتى وإن لم يكن يمثل الكنيسة، وبعض الأراجوزات الذين يجيدون اللعب على كل الحبال، بالإضافة إلى كبار موظفى الرئاسة ومعاونى الرئيس الذين ورطوه فى إصدار إعلانه «الدستورى».
 
أعترف بأن قرارات الحوار كانت مفاجئة لى تماما.. لم أكن أتوقع هذه النتائج، ولا أن تصدر فى هذا الموعد.. كان ظنى أن هناك عوامل ضاغطة لا يمكن تجاهلها.. هناك البيان الذى أصدرته القوات المسلحة، وهو فى حقيقة الأمر إنذار بالتدخل.. وهناك ضغوط خارجية تطلب من كل الأطراف، والرئيس بالذات، أن تتحاور.. وهناك أيضا الوضع الاقتصادى بالغ السوء الذى يحتاج إلى التقاط الأنفاس.. كنت أظن أن كل هذه العوامل ستدفع الرئيس إلى أن يلعق جراحه ويبحث عن مخرج معقول يصون هيبة الرئاسة، وستدفع المعارضين أيضا إلى البحث عن مخرج كريم لهم، وإلاّ فإنهم سيتحملون نتائج ما يمكن أن يؤدى إليه الفشل من فوضى.
 
توقعت أن يعلن عن مد الحوار يومين أو ثلاثة، وأن تطلق بعض بالونات الاختبار وتجرى اتصالات ببعض المعارضين، وربما يقترح المشاركون فى الحوار بعض المبادرات حتى ولو كانت محدودة بشأن الإعلان الدستورى أو بشأن مشروع الدستور أو بشأن الاستفتاء عليه.. ولكن كنت فى كل الأحوال موقناً بأن المشاركين سيصلون فى النهاية إلى صيغة ما، ليست مقبولة تماما وليست مرفوضة تماما، يحار بشأنها المعارضون.. وعندما يدرك المعارضون أن هذه الصيغة يمكن أن تشق صفوفهم سيعلنون المشاركة فى الحوار، أملاً فى الوصول إلى صيغة أفضل.. كنت أتوقع أن الحوار بعد ذلك سينتهى إلى حلول وسط ليس أمام الأطراف جميعا سوى القبول بها، وأن النتائج ستسوّق على أنها نجاح للحوار وانتصار للديمقراطية.
 
لم يحدث شىء من هذا كله.. انتهت المسرحية، التى لم يفهم معظمنا مشهدها الختامى بدقة، إلى أن هناك إعلانا دستوريا ألغى وهناك إعلانا دستوريا صدر، وأن مشروع الدستور باق على حاله وأن الاستفتاء لن يتزحزح عن موعده.. المؤكد أن كثيرين من الشباب الذين كانوا معتصمين خارج قصر الاتحادية فى الوقت الذى جرى فيه الحوار داخل القصر اعتبروا أن الحوار قد فشل.. لم ينتظر هؤلاء قرارا من جبهة الإنقاذ الوطنى التى تمثل معظم أطياف المعارضة ليعلن عليهم رفض نتائج الحوار.
 
صحيح أن هذه الجبهة هى التى تضم أبرز الشخصيات القيادية، ولكنها مع ذلك ليست هى التى توجه الدفـة.. زمام الجماهير أفلت ولم يعد بمستطاع أحد الإمساك به.. هذه هى الحقيقة الساطعة التى أبرزتها الأيام الأخيرة.. الجماهير هى التى تتخذ قرارها وتوجه جموعها وتفرض أحلامها، وهى غير راضية عن الحوار بعد أن سال الدم وأغمضت الدولة عينيها عن الجناة الذين مارسوا عنفا وقاموا بتعذيب وحشى لم تعرفه مصر من قبل.
 
لم يكن أحد يتوقع أن الحوار سوف ينجح وذلك لسبب آخر، أن الحـكم بين الأطراف المتنازعة فيه، الرئيس منحاز إلى واحد من طرفيه، لم يدرك حتى الآن أنه رئيس لكل المصريين.. فى اليوم التالى لإعلانه الدستورى وجه الرئيس خطابه إلى عشيرته التى تجمعت حوله فى الاتحادية، وفى خطابه الأخير يوم الخميس الماضى اكتفى بإدانة معارضيه الذين تظاهروا حول قصره يوم الثلاثاء فى مظاهرة سلمية لم تحدث فيها خسائر سوى إصابة أحد سائقى سيارات الرئاسة، ودفع عن عشيرته تهمة الهجوم على معارضيه يوم الأربعاء وألصقها بمأجورين ينتسبون للمعارضة.
 
فشل الحوار كان مؤكدا لسبب ثالث، أن الرئيس أراد قبل الحوار بيومين أن يوجهه وجهة خاطئة.. فى حين كان معروفا للكل أن المعارضين يطالبون بإلغاء الإعلان «الدستورى»، ورفض مشروع الدستور، وتأجيل الاستفتاء عليه، خرج نائب الرئيس بتصريح أعلن فيه أن الرئيس حدد للحوار جدول أعمال لا علاقة له بذلك كله، يتناول ثلاثة موضوعات مختلفة تماما هى تحديد الأعضاء المعينين فى مجلس الشورى «رشوة مقنعة للمعارضة»، وقانون الانتخابات، ومستقبل البلاد بعد الاستفتاء فى حال ما إذا كان قرار الشعب بلا أو بنعم.. سمّوا هذا «استهبالا»، سموه تضليلا، سموه ما شئتم.
 
علامات فشل الحوار كانت بادية من مراوغات الرئاسة التى حاولت أن توهمنا بأنها هى التى تقدم التنازلات فى حين يتمترس المعارضون خلف لاءاتهم.. مرة أخرى تحدث المستشار محمود مكى «الذى فقدناه كقاض ولم نكسبه كنائب للرئيس» فقال إن الرئيس على استعداد لتأجيل الاستفتاء، ولكنه يضع شرطا أن يقدم له المعارضون ضمانة حتى لا يتم الطعن بعد ذلك على قرار التأجيل بدعوى مخالفته للإعلان «الدستورى».. وفى اليوم ذاته، أى ليلة انعقاد الحوار، نجده يعلن عن بشارة كبرى، هى أن الرئيس سيقدم عربونا لحسن النية، هو تأجيل الاستفتاء فى الخارج من 8 إلى 12 ديسمبر، أربعة أيام بلياليها، فإذا بنا نكتشف بعد ذلك، على لسان رئيس اللجنة العليا للانتخابات، أن التأجيل جاء اضطرارا «بناء على طلب وزارة الخارجية لاستكمال استعداداتها»، خاصة أن أكثر من مائتين من الدبلوماسيين المصريين فى الخارج أعلنوا امتناعهم عن الإشراف على إجراء الاستفتاء.
 
الحوار لم يكن من المقدر له أن ينجح أبدا، لأن الرئيس فى واقع الأمر كان يريد أن يفرض شروطه، ولا ينوى أن يتزحزح قيد أنملة عن موقفه، كما صرح رئيس ديوانه.. هو لا يريد الاستماع إلى أحد خارج عشيرته، ولو كان يطلب مشورة غير منحازة لكان قد طلبها من مساعديه أو مستشاريه الذين استقالوا، لكنه لم يستشر أحداً منهم فى أمر ولا حتى أطلع نائبه على قراره بإصدار إعلانه «الدستورى».. الحوار لم يكن لينجح لأن الرئيس يعتقد فى قرارة نفسه أن حصار الجماهير للقصر الجمهورى ليس ممارسة ديمقراطية ولكنه خدش لكرامته «والحق أن بعضا من الهتافات التى نادى بها المتظاهرون وبعضا من الشعارات التى كتبوها على سور قصر الرئاسة حادت كثيرا عن الأصول المرعية».. ولن ينسى الرئيس لوقت طويل، كما أظن، أنه خرج هاربا ذات ليلة من باب القصر الخلفى، أو أنه اضطر أن يصلى الجمعة مع حرسه وحدهم فى دار الحرس الجمهورى.
 
كان من المستحيل للحوار أن ينجح لأنه جرى فى ظل حملة لترويع المعارضة وإرهابها.. الرئيس يكرر مرات الحديث عن مؤامرة لا يقدم دليلا عليها سوى حديث مرسل عن «اجتماعات متوالية تمثل خطورة هائلة على استقرار الوطن وأمنه تجرى فى مكتب أحد المتهمين فى موقعة الجمل حصل على براءة مؤخرا».. وزير الإعلام يعلن أنه يمتلك وثائق وأدلة تؤكد أن مصر تتعرض لمؤامرة شرسة.. خيرت الشاطر يصرح بأنه رصد لقاءات بين أطراف داخلية وخارجية لإسقاط الرئيس وأن لديه معلومات من كواليس الفضائيات وتسجيلات تليفونية «بالمخالفة للقانون طبعا» عن المخطط.
 
كلام متناثر هنا وهناك عن اغتيالات واعتقالات لشخصيات المعارضة البارزة يزكيه تهديد مبطن من وزير العدل الذى يقول إنه كان بإمكان الرئيس إعلان الطوارئ واعتقال المعارضين إلاّ أنه لم يفعل.. مرشد الإخوان يصرح فى مؤتمر صحفى بأن القوى السياسية تمارس الفساد والاستبداد والإجرام وأن الاحتجاجات فى الشارع «باطل تجب مقاومته».
 
البلتاجى يعلن أن هناك من ينفق الملايين لإشاعة الفوضى.. دعوات للشهادة فى سبيل الشرعية على ألسنة عدد من مشايخ السلفية وأقطاب الإخوان، يقول أحدهم: «مستعدون للتضحية بملايين الشهداء».. تهديد لأبوإسماعيل بإعداد قائمة سوداء لسياسيين وإعلاميين لاتخاذ إجراءات ضدهم.. حصار لمدينة الإنتاج الإعلامى واعتصام لتطهير الإعلام، ومحاولة لاختطاف الفقيه الدستورى الكبير إبراهيم درويش وهو فى المدينة، ومنع حمدين صباحى من الظهور فى برنامج تليفزيونى وسط حملة شرسة لإسكات صوت الإعلاميين.
 
مع كل ذلك فربما اعتبر البعض، خاصة أزلام الرئيس بين أولئك الذين جلسوا حول مائدة الاتحادية، أن الحوار قد نجح فعلا، أو أنه نجح بالقدر الممكن فى الظروف القائمة، وأنه رغم كل شىء سوف ينزع فتيل الانفجار وأن الأوضاع سوف تهدأ.. لكن هذا مجرد وهم.. الحوار أسفر عن تمرير مشروع دستور مرفوض شعبيا، رغم كل وعود الرئيس السابقة فإن المشروع لن يطرح للاستفتاء إلاّ بعد التوافق.. الحوار عمّـق من الشرخ فى الصفوف وزاد الأمة انقساما.. لكن المشكلة لا تكمن فقط فى الإعلان الدستورى ولا فى الجمعية التأسيسية ولا فى الدستور ولا فى الاستفتاء. المشكلة أكبر من ذلك بكثير.. المشكلة أننا تحققنا جميعا أن مصر انقسمت فعلا إلى فسطاطين: فسطاط من يتحدثون باسم الإسلام، وفسطاط المؤمنين بدولة ديمقراطية مدنية.. وطالما أن الفاشيين الجدد يعتبرون أنهم وحدهم قوى الحق، وحدهم القادرون على الحشد بالميليشيات، وأن غيرهم كارهون للإسلام، وغيرهم فى منزلة أدنى، فلن ينجح حوار بين الجانبين، بل لن يقوم الحوار أصلا.. ذلك هو الخطب الجلل الذى تواجهه الأمة، والذى يستحيل علاجه بالسياسة الحالية التى يتبعها الرئيس.

مصدر الموضوع: المصري اليوم






ولعملاء يمكنك الاشتراك بسهوله فى خدمة الاخبار العاجله المقدمه من موقع اسماعيلية اون لاين




إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات