إعدام وزير القطار!

الأحد 20 يناير 2013 - 01:04 صباحاً

إعدام وزير القطار!

عادل صبرى

 

بين أشلاء وجثامين قتلى قطار البدرشين، وقف الدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء، يعلن على الملأ رفضه المساس بوزير النقل المسئول الأول عن إدارة سكك حديد مصر. وأبدى قنديل دهشته من مطالبة أهالى الضحايا والمواطنين بطرد الوزير،
 
قائلا: ماذا يفيد لو أقلنا الوزير الذى تولى المسئولية منذ أيام قليلة. كلام رئيس الوزراء تسبب فى إشعال مزيد من الغضب لدى البشر الذين هالهم أن تقابل مأساة السكة الحديد الجديدة، بهذه الكلمات الفجة التى تخرج من رجل لا يعرف حجم المسئولية السياسية التى تتحملها الوزارة، بغض النظر عن الجرم القانونى الذى ارتكبته، لعدم قدرتها على إحكام إدارة مرفق حيوي، ظل لما يزيد على قرن ونصف معيارا للانضباط والكفاءة المهنية.
زيارة رئيس الوزراء لكارثة البدرشين، جاءت بعد أسابيع قليلة من كارثة قطار أسيوط التى قتلت أطفال المعهد الأزهري، وقبل ساعات من حادث بولاق الدكرور. ولم يلتفت رئيس الوزراء أن موقع الكارثة، يقع على مرقبة حادث أفظع، عندما اشتعلت النيران فى قطار الصعيد، منذ 10 سنوات، عند مدينة العياط، فأتت النيران على مئات الضحايا. وبعد تحقيقات موسعة ولجان تقصى حقائق برلمانية كلفت الدولة ملايين الجنيهات، لم نجد مسئولا يتحمل مسئولة الكوارث قانونيا أو أخلاقيا إلا عندما أجبر وزير النقل الأسبق إبراهيم الدميرى على الاستقالة من منصبه، فى تلك الكارثة. وفضل المهندس محمد منصور وزير النقل الأسبق الاستقالة عقب كارثة قطار قليوب الذى قتل عشرات الضحايا العقد الماضي، ووزير النقل السابق بعد حادث أسيوط.
ربما تسبب التهاون مع المسئولين عن مرفق السكك الحديدية عبر السنوات الماضية، فى تشجيع رئيس الوزراء الحالي، على استنكاره أن يقدم مسئولا للمحاكمة العاجلة عن تكرار تلك الكوارث، بعد أن كان أكثر شجاعة عندما طلب من الوزير السابق الاستقالة بعد حادث أسيوط. وربما تكون الوزارة الحالية ضمنت استقرارها فى الحكم، بعد تأكدها من سيطرة الحزب الداعم لها على إدارة شئون الدولة، بعد أن كشفت الأيام الماضية أن الأحزاب والقوى السياسية الأخرى غير قادرة على إدارة الشارع المصري، بالقدر الذى يدفعها إلى سدة الحكم. فى كل الأحوال كشفت كلمات رئيس الوزراء عن أن حاله لا يختلف كثيرا عن الحكومات التى سبقته. فكل ما ركز عليه من كلمات أمام الرأى العام، هى حجم التعويضات التى ستصرف لأسر القتلى والمصابين. فالمصرى الذى قام بثورة على الطغيان من أجل كرامته التى أهدرها النظام السابق، لم يستطع بعد استعادتها لأن الحكومة قررت قيمة الجثة، بنحو 30 ألف جنيه، والمصاب الذى سيحتاج حتما إلى علاج عاجل ومساعدات دائمة سينال 10 آلاف جنيه، نعلم جميعا أنها لا تساعد فى عملية زائدة دودية، وليست عمليات جراحية خطيرة.
الموروث الخطير الذى تعلمه الدكتور هشام قنديل من وزارات الحكم السابق، لم تتغير لأن عقليته محدودة الفكر، ولم يعرف بعد قيمة المصريين، لأنه تربى على مشهد الجثث التى تتساقط على السكك الحديدية وألف الدماء المسكوبة على الطرق العامة، والتى لم تتوقف حتى الآن بسبب التساهل مع أمثاله والوزراء الذين يرفضون تحمل المسئولية الأخلاقية والقانونية على ما جنوه على هذا الشعب المسكين.
مادام القانون لا ينفع والدماء لا تدفع حكوماتنا إلى التعامل مع الحادث أخلاقيا لا يسعنى إلا أن نعلم حكامنا عما يفعله الآخرون. بالتأكيد سمع الدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء بأن جمهورية الصين الشعبية التى تمتلك أكبر شبكة سكة حديد فى العالم، ولديها شبكة خاصة للقطارات فائقة السرعة، التى تتجاوز نحو 430 كم متر فى الساعة. هذه الدولة التى بدأت بعدنا مرحلة الانطلاق نحو السوق الحرة، وتعديل شبكات السكة الحديد المتهالكة، شرعت فى مد خطوط السكك الحديدية السريعة فى كل مكان، خاصة بين المدن الكبرى، لربط شرق البلاد بغربها وشمالها بجنوبها، وتبلغ مساحتها نحو 9 ملايين ونصف المليون كيلو متر أى بما يزيد على مساحة مصر بنحو 9 مرات. عندما وقع حادث خروج القطار فائق السرعة الذى بدأ تشغيله بين العاصمة السياسية بكين والعاصمة الاقتصادية شنجهاى عام 2011، وتسبب فى مقتل عشرات الأفراد، تحرك رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء فى الحال إلى موقع الحادث. وأجريت تحقيقات فنية على أعلى مستوى عدا ما قامت به الأجهزة الأمنية والقانونية من تحقيقات موازية للتعرف على أسباب الحادث. شكلت الدولة لجنة رفيعة المستوى من خبراء الجامعات ومصممى القطار، وجلبت علماء أجانب للتعرف على أسباب الكارثة التى هددت سمعة قطارات الصين التى أصبحت مثار حسد كبير من الولايات المتحدة وأوروبا، وتحولت إلى مصدر فخر قومى للصناعات والإدارة الصينية.
لم تنتظر حكومة الصين قرار اللجنة الفنية، وأصدرت على الفور قراراً بإقالة وزير السكك الحديدية، وتحفظت على كثير من كبار المسئولين. كشف التحقيقات أن الحادث لم يأت صدفة، وإنما لقصور فنى فى تنفيذ الخطوط بعد أن شابت عمليات الإنشاءات قضايا فساد. لم يتورع الحزب الشيوعى الصينى المتحفظ جدا فى الإعلان عن فساد المسئولين، عن كشف الوقائع فى أجهزة الإعلام. وقررت اللجنة المركزية للحزب الشيوعى فى اجتماعها الثامن عشر الذى عقد قبيل نهاية العام الماضي، طرد وزير السكك الحديدية ليو زيجون من عضوية الحزب وإحالته لمحاكمة جنائية بتهمة تلقى وتسهيل الحصول على رشى قيمتها نحو 127 مليون دولار. واكبت التحقيقات الكشف عن كثير من وقائع فساد ارتكبها بعض المسئولين فى السكة الحديد، الذين استغلوا مناصبهم وقدرتهم على إسناد المناقصات لشركات بعينها تصل إلى مئات المليارات سنويا، فى التربح من الوظيفة الحكومية. ومازالت بعض هذه القضايا منظورة أمام القضاء الصيني، والتى ستؤدى إلى إعدام مرتكبيها، لتسببهم فى مقتل 45 شخصا فقط.
لو راجع الدكتور هشام قنديل حجم الكوارث التى شهدتها السكة الحديد، لعلم أن قتلانا يزيد عددهم على عشرات المئات، وآلاف المصابين الذين تحولوا إلى عجزة أو فاقدى الأهلية والقدرة على كسب عيشتهم. ذنب هؤلاء المصريين أنهم لم يجدوا نظاما يحيل المسئولين عن الكوارث إلى الإعدام أو السجن المؤبد، بينما تحال التهم إلى صغار العاملين من قائدى القطارات وحارس المزلقان. لعل الدكتور هشام قنديل لم يعرف أن حادث البدرشين وقع هذه المرة بسبب خطأ فنى فادح، أدى إلى انفصال العربات عن بعضها، ولم يكن هذه المرة لمشكلة فى المزلقان أو القائد، فكان أولى أن يشكل لجنة فنية لمحاسبة القاتل الحقيقى للضحايا أو يحيل وزير النقل لمحكمة جنائية، لعل محاكمته تكون سببا فى اقتلاع الفساد من جذوره فى هذا المرفق العام. قد يرضى المصريون بأقدارهم، ويبتلعون مرارة الحزن والكارثة، ولكن كيف ترضى حكومة تدعى أنها جاءت للحفاظ على كرامة المصريين بأن تدوس على جثثهم ودمائهم، ثم تترك الجانى يهرب بفعلته أمام صمت الجميع.
 
 
 
 

مصدر الموضوع: الوفد








إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات