صار الملل وباءً

الأربعاء 04 سبتمبر 2013 - 02:10 مساءً

 صار الملل وباءً

جميل مطر

 تابعت على مدى شهر حالات شعور بالملل لم أشهد مثلها عددا أو حدة فى أى وقت مضى. ففى كل مكان ذهبت إليه، حتى فى مؤتمرات وندوات وجلسات كلام ولقاءات اجتماعية، رأيت بشرا يطل الملل من عيونهم المتكاسلة وتكشف عنه حركتهم المتثاقلة. فى كل هذه الأماكن سمعت الشكوى تلو الشكوى من صديق أو زميل أصابه بالملل. أكاد أجزم أن الملل فى هذا الانتشار الرهيب لم يترك طفلا أو شيخا إلا وخلف قليلا أو كثيرا من أعراضه، وأكاد أجزم أيضا انه اختار النساء ليشكلن غالبية ضحاياه، هنا أيضا لم يميز بين عجوز وشابة وطفلة.

وجدته يتسرب كالنار فى الهشيم. لم يفلت منه فقراء أو متوسطو الدخل. وللغرابة وجدته منتشرا على نطاق واسع بين نساء منتميات إلى الطبقة العليا، أو الطبقات فوق الوسطى. ما وجه الغرابة فى هذا الاكتشاف؟ ألم تأت كلمة الملل فى أصلها باللغة الانجليزيةBoredom من كلمة Bores، حسب قاموس أوكسفورد، كناية عن الطبقة الارستقراطية البريطانية.

●●●

ما لمسته، وبكثرة مدهشة خلال الشهر الفائت، كان الشعور «بالزهق» وليس القرف أو الضيق أو الغضب. سمعت شكاوى متكررة إلى درجة انها صارت من كثرة تكرارها تمثل مصدرا مستقلا لملل إضافى. أما جوهر الشكوى فكان إما صعوبة التنفس أو ضيق الصدر أو الحركة الدائبة بغير هدف أو النطق بكلمات مبهمة وغير مترابطة أو عيون زائغة أو عدم الإقبال على القراءة ورفض الاستماع إلى الموسيقى أو كلها معا. انا شخصيا لمحت أعراضا أخرى تكشف عن الإصابة بالملل. رأيت درجات متفاوتة من عدم الاهتمام ولاحظت نسبة مرتفعة من قلة الإنتاج وتوقفت طويلا عند ملاحظة لم تكن مألوفة بين من أعرفهم خلال الشهور الماضية، لاحظت ميلا للإهمال فى المظهر الخارجى، بمعنى عدم التدقيق فى تناسق الألوان وعدم الاكتراث برأى الأخريات والآخرين فى المظهر والسلوك. ومع ذلك أسرت زميلات وصديقات بأنهن عند إصابتهن بحالات ملل يكثرن من زيارة محال تصفيف الشعر ربما بأمل مطاردة الملل.

●●●

اختلفوا واختلفن فى وصف حالة الملل. سمعت من يقول إنها لحظات، وقد تستمر أياما، من القلق والاضطراب بسبب فقدان الاهتمام. لحظات، أو أيام، يفقد فيها المصاب بالملل القدرة على استغلال الوقت والظرف بطريقة رصينة وممتعة. القائلون بهذا الوصف يعبرون عن رأى سائد يعتقد أن «الملل صناعة إنسان». الملل اختيار شخصى وليس قدرا مكتوبا أو مرضا تنقله ميكروبات وفيروسات. يتفق هذا الرأى مع القول بأن الحياة لا يمكن أن تكون مملة لأنها نعمة ومصدر متعة وسببا لفضول لا يشبع وسعى دائم لمعرفة أشمل وأعمق. قدمت زميلة وصفا آخر لحالة الملل التى تعانى منها. قالت إنها تشعر بالملل كرغبة قوية فى «رغبات أخرى» لم تتحقق. «يئست من إمكان تحقيق رغبات ألحت بشدة فى الآونة الأخيرة. تمنيت أشياء ولم تحصل. فى النهاية استسلمت لرغبة الانتظار». أفهم مثل هذا التفسير لنشأة الملل، ولكنى لا أفهم الإصرار على الاستسلام للملل.

●●●

أذكر أن أحد الفلاسفة كتب قبل قرون يقول إن الملل طبيعة كونية، حتى الآلهة تمل. ويردد اسطورة الآلهة التى أصابها الملل فشغلت نفسها بعملية خلق البشرية. لذلك خرجت البشرية حسب الاسطورة مطعمة بخطايا هائلة. لقد خلق آلهة الأساطير الإنسان فى لحظة ملل، فحقت عليه لعنة الشر تلازمه ويلازمها. ثم أطلعنى صديق على وصف للملل لعله الأقرب إلى الواقع. يقول الوصف ان الإنسان المصاب بالملل مثله مثل إنسان يحملق فى لا شيء، ينظر فى جب بلا قاع، فالملل فى نهاية الأمر ليس أكثر من تجسيد اللا شىء واللا نهائى.

●●●

حذر الأقدمون من خطورة الملل. قال أحدهم عن الملل انه يقضم الحياة. لا تراه قادما لأنه يتسلل ويتسرب كالغبار، تتنفسه وتأكله وتشربه حتى يمتلئ به الجوف والصدر والعقل. إلا أن أبشع ما قيل فيه جاء بقلم فيكتور هوجو فى رواية البؤساء عندما كتب يقول «هناك شيء مرعب أكثر من جحيم المعاناة، انه جحيم الملل». وكرر اريك فروم اقتناعه بأن الملل أداة تعذيب أشد وحشية من كل ما عرفته البشرية على امتداد تاريخها من أدوات تعذيب، وأضاف «إذا قدر لى أن أتخيل جهنم، فستكون عبارة عن مكان غاية فى الملل».

آخرون، طوروا الأسطورة القديمة ليلقوا بمسئولية الملل على الإنسان ويعفوا الآلهة منها. قال أحدهم إن نصف الشرور التى يرتكبها البشر إنما ترتكب بنية اتقاء الملل. وفى صياغة أخرى قال برتراند راسل إن «نصف خطايا البشرية سببها خوف الإنسان من الملل».

●●●

إيمانى بقوة الفرد وعزيمته تدفعنى لرفض مقولات الاساطير وشرور البشرية وضعف الانسان. أتفق مع فولتير الذى كان يقول إنه بالعمل وحده يستطيع الإنسان أن يحارب الشرور الثلاثة: الملل والرذيلة والفقر. واستنادا إلى واقع مشاهداتى وعلاقاتى أستطيع أن أؤكد أن الملل نادرا ما يصيب إنسانا يحاول ان يصنع شيئا جميلا أو يكتشف جانبا من حقيقة أو يشارك فى ثورة ضد الظلم والقمع أو يكتب قطعة موسيقية أو يؤلف رواية أو يرسم لوحة، ونادرا ما يصيب إنسانا يحب أو انسانا يهتم بالآخرين ويرعى مصالحهم ويتعاطف مع قضاياهم. الملل، بكلمات أخرى، نادرا ما يصيب إنسانا يشغل نفسه بغيره.


 

مصدر الموضوع: الشروق






ولعملاء يمكنك الاشتراك بسهوله فى خدمة الاخبار العاجله المقدمه من موقع اسماعيلية اون لاين




إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات