من أين أتى حبارة؟

الخميس 05 سبتمبر 2013 - 12:45 مساءً

من أين أتى حبارة؟

وائل عبد الفتاح

 حبارة هو ابن هذه الظاهرة التى سميتها «القاعدة - فرانشيز» كان ذلك متزامنا مع عمليات إرهابية حملت سمْت القاعدة لأول مرة فى مصر. لكن كل الدلائل تشير إلى عدم وجود القاعدة كتنظيم.

وقبل القبض على حبارة بأيام كتبت فى «السفير» عمن يحمل العلم الأسود. الشخص لم يكن عابرا فى ميدان الاشتباكات. علاقته بالعلم إعلان عن نفسه. يحمل علم الجهاد، أو علم الرسول كما تقول أساطيرهم. يحمل العمل كمحارب أسطورى. يضعه فى جيبه الخلفى كما فعل قاتل الأطفال فى الإسكندرية. قاد فرقة من مهووسين. أو بالتحديد قاد قسوتهم إلى حد إلقاء الأطفال من مخبئهم بجوار خزان المياه. وبعد أن حلق لحيته بدت ملامحه المهزومة. اللحية تدارى ضعفه وعجزه. تكمل اكسسوار مقاتل جيوش الإمبراطورية الإسلامية.

المقاتل تنظيم وحده، مثل حامل العلم. والخلية التى هاجمت صباح «جمعة الحسم» قسم شرطة النزهة. خلية مذعورة رغم أن عناصرها ملثمون، والقتلة منهم هبطوا إلى الشارع وأطلقوا رصاصات عشوائية. كانوا يقولون إننا هنا. الإسلام هنا. تنظيمنا هنا. نحن الفرانشيز الباقى من تفكك «القاعدة» بعد تغريبة الشيخ أسامة.

بعدها بدأ جهاد القاعدة مرحلة «الفرانشيز» أى مجموعة أكثر من ثلاثة أشخاص يمكنهم أن يكونوا «قاعدة» ما داموا يلتزمون بقانون الفرانشيز الذى يجعل الماركات الدولية تسلم اسمها مقابل الالتزام بالمواصفات. ليس هناك تنظيم ولا فكرة / هدف سوى استمرار هذه الصورة «علم + مقاتل + قنبلة + بيان فيه اسم الله وإعلان استمرار الجهاد فى سبيله».

بهذا المنطق حدثت انفجارات السنوات الخمس الأخيرة فى مصر، وتطورت بعدها لتقدم طبعة جديدة من التحام تنظيم القاعدة بالجهاد، وفق مفهوم «السلفية الجهادية» الذى لا يميزه عن «السلفية العلمية» سوى «اختيار طريق القتال» أو ما يسميه الأكاديميون: الثورى / الراديكالى.

المدهش فى التسمية عدم مطابقتها لمعناها الذى ولدت فيه / وإسقاطها على واقع آخر، وظواهر مضادة.. وهذه إحدى عناصر الضعف فى تحليلات صادرة من معمل الأفكار الغربية، والتابعة لها فى العالم العربى.

«السلفية الجهادية» اسم جديد يجمع توكيلات «الفرانشيز» فى ما يشبه السياق، لا التنظيم، حيث لا يوجد عقل مركزى ولا فكرة مركزية غير محاربة «أعداء الله الكفار» ينطبق هذا على مرسى كما ينطبق على مبارك ولا فرق هنا بين مواطن وصاحب سلطة، كلهم كفار إلا هم.

خيرت الشاطر فى تفاوضه معهم حاول تجاوز تكفير مرسى وإحلال دمه بسؤال: من أقرب إليكم: نحن «الإخوان» أم العلمانيون؟ ومن الإجابة تم الاتفاق والتمويل لتوجه «السلفية الجهادية» معاركها ضد العلمانيين. الاتفاق يسرى مع القادة / الأمراء لكنه يطبق من المجموعات أو الأفراد المقاتلة.

وهنا يبدو الفرق عندما تكون هناك أرض للجهاد مثل سيناء، حيث يتحول العمل أقرب إلى التنظيم أو عصابات «فرانشيز» تحت الطلب.. وفوقها اللافتة النبيلة للجهاد أو الموت فى سبيل نصرة الدين.

بينما فى القاهرة، حيث يصعب التجمع الكبير، يبدو طابع العمل «خطة فردية» إلى حد ما. فيتحرك المجاهد الفرانشيز ليكون وحده تنظيما كاملا.

هكذا فإن هناك جمهورا كبيرا لم يعد عبود الزمر وأمراء الحرب القدامى قادرا على إقناعه بعد ألعابهم مع سلطة مبارك ومرسى. كما أن اختفاء حازم أبو إسماعيل فى مخابئ زئبقية أحبط كتلة كبيرة كانت تتكون حوله جامعة النتف المثيرة من خطابات شعبوية بلا سياق، تشعر المقيمين الدائمين فى الصفوف الخلفية والمهزومين شخصيا إلى الالتحاق بالجسد الكبير لتنظيم لا يبدو تنظيما حديديا، وجماعة مفككة تبدو فيها الحرية / الانفلات الشخصى جزءا من أداء عام، انفلات منضبط لمجموعات تعانى «الخوف من الحرية» أو «الخوف من التفكير».. يبدو التوحد مع شخص أو زعيم أو شيخ تعويضا عن شعور جبار بالضعف والعجز، يبحث الشخص هنا عن سلطة يخاف الابتعاد عنها ويتوحد معها إلى درجة تلغى العقل والوجود وتحول الشخص إلى رد فعل هستيرى تجاه كل من يجرؤ على الخروج عن هذه الرواية.

الخروج عن الرواية إرادة باتجاه الحرية يخاف منها السائرون فى مواكب حازم مسحورين بالأسد المدلل الذى يختفى لحظة الحسم كل أثر للتيستيرون البطولى.

الشيخ حازم مثالى للعب هذا الدور، هو شيخ وله كاريزما فى الخطابة تلعب فى منطقة مختلفة عن الشيخ كشك، لكنها تملك قدرات فى أداء العروض العامة، تنسى معه ما يقوله، لا تفكر فيه، ويتحوله كلامه إلى امتداد للوجود الشخصى، لا يعنى المستمع أن يفكر فى تناقضات أو يحلل أصول الكلام فيصبح كلامه عن البيبسى أو جوزة الطيب علميا، وسيجد من يخترع أسانيد علمية ويصمم مواقع لإثبات نظريته.

الثورة فتحت المجال ليخرج حازم من مسجده إلى الميدان، ويقابل جمهورا واسعا يبحث عن شخص لا يعبر عن اختيار محدد، فالشيخ لا إخوانى صرف ولا سلفى تماما، لا ينتمى إلى تنظيم محدد، كما أن ملامحه مختلفة عن جهامة السلفيين «أو المشهور منهم» وخطابه أكثر نعومة يقلل فيه من التحذيرات متحدثا عن التكيف مع الحياة الحديثة بلغة واثقة رغم افتقادها أحيانا إلى العلم.

لا شىء سيبذله الشخص لتتغير مصر وتتحول إلى دولة عظمى إلا السير خلف الشيخ حازم، الذى تصنع له صورة «الأسد فى مواجهة» وحش السلطة، رغم أنه كان ينسحب من المواجهة إذا تجاوزت الحنجرة.

حازم اختفى قبل اصطياده فى السجن، وترك جمهوره حائرا بين السير فى ركب الإخوان بعد الهزيمة، أو دفاعا عن فرصة الكرسى، وبين السير خلف العلم الأسود وشهوته الطاغية فى الدم / البطولة / تفجير الذات للشعور بها؟

كم من إسلامى فرانشيز سيبقى بعد هزيمة هذه الأجيال من تنظيمات منتظرى الخلافة؟

مصدر الموضوع: التحرير








إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات