العقول المهاجرة متى تعود إلى بلدانها؟ البروفيسور"محمد منصور"أعظم شخصيات القرن

الخميس 19 سبتمبر 2013 - 11:02 مساءً

العقول المهاجرة متى تعود إلى بلدانها؟ البروفيسور"محمد منصور"أعظم شخصيات القرن

بِقَلَمِ: ثَابِتِ عِيدٍ

لَيْسَ يعرفُ كثيرٌ مِنَ النّاسِ في مِصْرَ أنّ مُعْظمَ عُلَمَائِنَا النّابهينَ قَدْ فرّوا من جحيمِ حُكْمِ العسكرِ، وَهَاجُروا إلى الخَارِجِ، منذُ سنواتٍ طويلةٍ. ولَيْسَ يعرفُ النّاسُ في مِصْرَ إلا اسمينِ أو ثلاثةً من علمَائِنَا في الخارجِ، برغمِ وُجُودِ أعدادٍ هائلةٍ مِنَ العلماءِ المصريّينَ في شَتّى دولِ العالمِ المتقدّمِ.

وَقَدْ كانَ لي شرفُ تقديمِ العَالمِ المصريّ الفذّ محمّدِ منصورٍ، أستاذِ التّحكّمِ الآليِّ في جامعةِ زيورخَ الفيدراليّةِ، للقارئِ العربيِّ قبلَ سنواتٍ طويلةٍ. أتذكّرُ أنّ صديقي رجبَ البنّا، رئيسَ تحريرِ مجلّةِ "أكتوبرَ" السّابقَ، كَانَ متحمّسًا جدًّا لفكرةِ إعلامِ المصريّينَ في الدّاخلِ بأعلامِ المصريّينَ في الخارجِ، فلمْ يتردّدْ في نشرِ أولى دراساتي عَنِ البروفيسورِ محمّدِ منصورٍ في جريدةِ الأهرامِ في أواخرِ القرنِ الماضي.

ثُمَّ واصلتُ مهمّتي الإعلاميّةَ هذِهِ، بنشرِ عدّةِ مقالاتٍ وحوارتٍ معَ البروفيسورِ محمّدِ منصورٍ وعنه، في "مجلّةِ أكتوبرَ"، و"جريدةِ الحياةِ"، و"مجلّةِ العربيّ" الكويتيّةِ، وغيرِهَا مِنْ وَسَائلِ الإعلامِ العربيّةِ المختلفةِ. أتذكّرُ أيضًا أنّني تألّمتُ كثيرًا مِنَ الهجمةِ الشّرسةِ الّتي تعرّضَ لها المسلمونَ في المجتمعاتِ الغربيّةِ بعدَ هجماتِ سبتمبرَ ٢٠٠١م. ولمْ يكنْ أمَامي في ذلكَ الوقتِ إلّا محاولةُ التّذكيرِ بمحاسنِ المسلمينَ، في وسائلِ الإعلامِ العربيّةِ والسّويسريّةِ. فكانَ ممّا نشرتُه في وسائلِ الإعلامِ العربيّةِ المقالُ التّالي، المنشورُ في "الأهرامِ الدّوليّ" حينئذٍ.

ومرْتِ الأوقاتُ، وتفرّقتْ بِنَا الطّرقاتُ. واقتصرتِ اتّصالاتي بالبروفيسورِ محمّدِ منصورٍ على مجرّدِ الاطمئنانِ عليهِ، ومعرفةِ آخرِ أخبارهِ. وعندَمَا انتخبَ المصريّونَ محمّدَ مرسي رئيسًا لهم، تمنّيتُ أنْ يحدثَ تعاونٌ بينَ البروفسيورِ منصورٍ وحكومةِ مصرَ الجديدةِ. وتحمّسَ البطلُ مجدي حسين للفكرةِ، وسارعَ مشكورًا بإعادةِ نشرِ أحدِ مقالاتي التّعريفيّةِ بالعالمِ محمّد منصورٍ في "جريدةِ الشّعبِ"، وعلى موقعِ "حزبِ العملِ".

ومرّتِ الأيّامُ واتّصلَ بي البروفسورُ منصورٌ ليسألني عن وسيلةٍ للاتّصالِ بصديقي هانس كينج، كبيرِ علماءِ اللاهوتِ السّويسريّينَ. ثمّ إنّني دعوتُهُ قبلَ أيّامٍ، ليصاحبني في لقاءٍ لي مَعَ بعضِ جهابذةِ النّاشرينَ الألمانِ، لكنّه اعتذرَ بلطفٍ، مشيرًا إلى أنّه أصبحَ الآنَ في الخامسةِ والثّمانينَ من عمرِهِ. فقلتُ لَهُ مازحًا إنّهُ مازالَ في شرخِ شبابِهِ مقارنةً بالمستشارِ الألمانيّ الأسبقِ هيلموت شميدت الّذي صارَ في الرّابعةِ والتّسعينَ من عمرِهِ.

وبعدُ، فالمقالُ التّالي للتّذكرةِ بفضائلِ عالمٍ مصريٍّ فذّ، رفعَ اسمَ مصرَ والإسلامِ عاليًا في أحدِ مراكزِ الحضارةِ الإنسانيّةِ الحديثةِ. وعندَ إعدادِ المقالِ التّالي للنّشرِ استرجعتُ ذكرياتٍ جميلةً لأوقاتٍ عظيمةٍ قضيتُهَا مَعَ البروفسورِ محمّدِ منصورٍ وصديقتي المرحومةِ أنّا ماري شيمل، عميدةِ الاستشراقِ الألمانيّ، عندما دعوتهما إلى تناولِ طعامِ العشاءِ في فندقِ "دولدر فالدهاوس" المطلّ على بحيرةِ زيورخَ، قبلَ أكثر من عشرِ سنواتٍ. رحمَ اللّهُ شيملَ، وأطالَ في عمرِ منصورٍ، وحفظَ مِصْرَنا من شُرورِ مجرمي عسكرِ مصرَ وشرطتها. ولننتقلْ الآنَ إلى مقالِنَا عَنِ العلّامةِ محمّدِ منصورٍ:

اُختيرَ العالمُ المصريُّ الكبيرُ محمّدُ منصور ضمنَ أكبرِ ألفي شخصيّةٍ علميّةٍ تركتْ بصماتها على الإنسانيَّةِ في القرنِ العشرينَ. والبروفيسورُ منصور هو عالمٌ مصريٌّ متخصّصٌ في التَّحَكُّمِ الآليِّ، ترأَّسَ معهدَ التَّحَكُّمِ الآليِّ في جامعةِ زيورخَ الفيدراليَّةِ للعلومِ التِّكنولوجيَّةِ لمدةِ خمسةٍ وعشرينَ عامًا مَثَّلَتِ العصرَ الذَّهَبِيَّ لهذا المعهدِ. عَالَمِيًّا لا يوجدُ إلا عالمانِ آخرانِ وصلا إلى ما وصلَ إليه منصور من مرتبةٍ دوليَّةٍ ساميةٍ.

إنّ عَالِمَنَا وأستاذَنا الكبيرَ يُمثِّلُ ظاهرةً مثيرةً بالنِّسبةِ لعربِ عصرِنا هذا ومسلمِيه. إذ كيفَ يمكنُ أن تظهرَ شخصيَّةٌ عالميَّةٌ بهذا العيارِ الثَّقِيلِ في مجتمعٍ تخلَّفَ عَنْ مَوْكِبِ الحضارةِ مُنْذُ عِدَّةِ قرونٍ؟ كيفَ يمكنُ أن تنمو أزهارٌ جميلةٌ في صحراءَ جرداءَ، لا ماءَ فيها ولا حياةَ؟ إنّها الحكمةُ الإلهيَّةُ، وإرادةُ الباريء تعالى، وقسمةُ الرَّحمنِ، الذي وَزَّعَ الثَّرواتِ، كما قسّم العبقرياتِ، على مختلفِ الأممِ والأجناسِ. كلّ مَا في الأمرِ أنّ المجتمعاتِ المتقدّمةَ تنتهجُ سياسةً تشجيعيَّةً للعلمِ والعلماءِ، والمجتمعاتِ المتخلّفةَ، ونحنُ منها، تقتلُ العبقريَّاتِ والمواهبَ في مهدِها، بحيثُ لا يظهرُ، ولا ينبغُ في النِّهايةِ، إلا مَن هُو أقوى من تلكَ الأنظمةِ المتخلِّفَةِ.

عجيب حقًّا أمرُ أستاذِنا الكبيرِ محمد منصور، فهو عالمُ رياضيَّاتٍ من الطّرازِ الأوّلِ، ولكنَّهُ في الوقتِ نفسِه يشعرُ بانجذابٍ شديدٍ نحوَ الدِّينِ والفلسفةِ، بل وكلّ علومِ العصرِ. وقدْ صدقَ حقًّا ما قاله كبيرُ علماءِ اللَّاهوتِ السّويسريّينَ: هانس كينج، على منصور بالذّاتِ، حيثُ أشارَ إلى أنَّ عددَ المؤمنينَ ضمنَ علماءِ اللّاهوتِ في أوروبَّا يتراجعُ، في حين يزدادُ عددُهم ضمنَ صفوفِ علماءِ الطَّبيعةِ! فعالمُ الطَّبيعةِ كُلَّمَا أمعنَ في اكتشافِ أسرارِ الكونِ، ازدادَ قناعةً بعظمةِ البارئ تعالى، ودقّةِ إبداعِه. فمنصور وصلَ في تخصّصهِ إلى قمّةِ ما يمكنُ أن يصلَ إليه أيُّ عالمٍ في هذا التخصّصِ، ويكفي أن ننظرَ إلى قائمَةِ الجوائزِ الّتي حصلَ عليها من دولِ العالمِ المتقدّمِ وجامعاته، لندركَ عظمةَ عالمنا الكبيرِ وَعَبْقَرِيَّتَهُ. وهو في الوقتِ نفسِه وصلَ في مجالِ الإيمانِ بِاللّهِ إلى نهايتِهِ. بالطَّبعِ قد يتساءلُ المرءُ هل أدَّتْ عبقريَّةُ منصور العلميَّةُ به إلى عمقِ التَّدَيُّنِ، أم أن الدِّينَ كَانَ هو دافعَه وباعثَه الأوّلَ للنّبوغِ والتَّفَوُّقِ؟

الإجابةُ بسيطةٌ جِدًّا، وَهِيَ أنّ الإسلامَ كما يفهمُهُ عالمنا وأستاذُنا الفاضلُ ينسجمُ كُلِّيَّةً مع تفوّقِهِ ونبوغِهِ. فالموهبةُ والنبوغُ لا جنسيةَ لهما، ولا دينَ. ولكنَّ الفهمَ الصَّحيحَ للإسلامِ، ورسالتَهُ العظيمةَ القائلةَ إنَّ طلبَ العلمِ فريضةٌ عَلى كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ، هَذا وحدُه هُوَ الَّذِي يمكنُ أن يتحوّلَ إلى قوّةِ دفعٍ هائلةٍ لِكُلِّ مسلمٍ نحوَ التَّفَوُّقِ وَالنُّبُوغِ. صحيحٌ أنَّ الموهبةَ شرطٌ للنُّبوغِ، وَلكنَّ العملَ ضروريٌّ لصقلِهَا وتنميتِهَا، وبدونِ ذلكَ تتبخَّرُ وتزولُ.

مَا أجملَ أنْ نشاهدَ - نحنُ العربَ والمسلمينَ - في هذا العصرِ بالذَّاتِ، حيثُ لا نكادُ نتجرَّعُ آلامَ هزيمةٍ، حَتَّى تنهال علينا ضرباتٌ أخرى من كلِّ صَوبٍ وحدبٍ، فصِرنا نعيشُ عَصرًا من أحلكِ عصورِ تاريخِنا - ما أجملَ أنْ نقرأَ في ظِلِّ هذه الظُّروفِ الحالكةِ كلماتِ الشَّهادةِ الممنوحةِ لعالمنا المصريِّ الكبيرِ محمّد منصور من جامعةِ كامبريدجَ، حيثُ تقولُ: "هذه شهادةٌ بأنّ محمّدَ منصورٍ قدِ اُختيرَ ضمنَ ألفي شخصيَّةٍ علميَّةٍ متميِّزَةٍ مِنَ القرنِ العشرينَ، إكراًما وتقديرًا لإسهاماتِه الممتازةِ في حقلِ التَّحَكُّمِ الآليِّ واستخداماتِهِ" (موقّعةٌ ومختومةٌ بالشَّمعِ في مركزِ السِّيرِ الدّوليِّ، كامبريدج، إِنجلترا).

وُلِدَ عالمنا وأستاذُنا الكبيرُ محمّد منصور في قريةِ العبيديةِ بمحافظةِ دمياط بمصرَ سنةَ ٨٢٩١م. وبدتْ عليه منذُ نعومةِ أظافرِه المسحةُ الإلهيَّةُ من التَّفَوُّقِ والنُّبوغِ. ففي ذلكَ الوقتِ، كانَ مستوى التَّعليمِ في مِصرَ أفضلَ بكثيرٍ من مستواه الآنَ، وكانتِ الشَّهادةُ المصريَّةُ معترفًا بها في كلّ دولِ العالمِ، وكانَ نظامُ التَّعليمِ أيضًا مختلفًا، فالمجانيَّةُ الكاذبةُ التي يُوهمونَ النَّاسَ بها اليومَ، لم تكنْ تُمنحُ إلا للمتفوّقينَ. حصلَ منصورٌ على هذه المجانيَّةِ بدايةً من الصِّفِّ الثَّانِي الابتدائيِّ، حيثُ فوجِئَ بِهِ الجميعُ يكتسحُ المدرسةَ اكتساحًا، ولا يرضى إِلَّا بالمركزِ الأول في جميع سنوات الدراسة. ثم إنّه كان أيضا الأوّل في مسابقة التوجيهية قسم الرياضيات سنة ٦٤٩١م. وتابعَ النَّابغةُ مسيرتَهُ المباركةَ، فنالَ أيضًا مجانيَّةَ التَّعليمِ في الجامعةِ. وفي كُلِّيَّةِ الهندسةِ، جامعةِ الاسكندريَّةِ، لم يكنْ يحصلْ على أقلّ مِنْ درجةِ الامتيازِ معَ مرتبةِ الشَّرفِ الأولى في كُلِّ سنواتِ الدِّراسةِ. في سنةِ ١٥٩١م حصلَ على بكالوريوسِ الهندسةِ الكهربائيَّةِ بدرجةِ ممتازٍ مع مرتبةِ الشَّرفِ الأولى، كَمَا حصلَ على جائزةِ أوّلِ كُلِّيَّةِ الهندسةِ. وواصلَ عالمنا مشوارَ كفاحِه الطَّويلِ، آبيًا إِلَّا درجةَ ممتازٍ في جميعِ موادِّ دراساتِه العليا في جامعةِ الأسكندريَّةِ سنةَ ٢٥٩١م. وَفِي العامِ التَّالِي حصلَ عَلى مَاجستيرِ الهندسةِ الكهربائيَّةِ من الجامعةِ نفسِهَا.

عَندمَا وصلَ إلى زيورخَ سنةَ ١٩٦١م، كانتِ الأوضاعُ في تلكَ المدينةِ العجيبةِ مختلفةً كُلِّيَّةً عَمَّا هُوَ عليه الآنَ. فالسّويسريونَ كانوا في ذلكَ الوقتِ متحفّظينَ جِدًّا تجاهَ الأجانبِ عمومًا، ومواطني دولِ العالمِ الثَّالثِ خصوصًا. كانتْ مرحلةً حرجةً مرتْ بسلامٍ، ولكنَّها تميَّزَتْ بعنصريَّةٍ واضحةٍ ضدَّ الايطاليِّين بالذَّاتِ، بالرَّغمِ مِنْ أَنَّهمْ مِنَ الجيرانِ المقرّبينَ، فَمَا بَالُكَ بدولةٍ كمصرَ، يعتبرونها أفريقيَّةً متخلِّفةً؟! نظرةُ السّويسريِّينَ للأجانبِ في ذلكَ الوقتِ لم تكنْ إيجابيَّةً عَلَى الإطلاقِ. ويأتى فوقَ ذلكَ أن سويسرا لديها نوعانِ من الجامعاتِ، الأوّل محليٌّ تابعٌ للكانتونِ، والثّانِي فيدراليٌّ تابعٌ للحكومةِ المركزيَّةِ. ويحقُّ لدولةٍ صغيرةٍ مثلِ سويسرا أن تفتخرَ بامتلاكِهَا جامعةً فيديراليَّةً للعلومِ التّكنولوجيَّةِ تعتبرُ بالمقاييسِ العالميَّةِ ثاني أحسنِ جامعةٍ في هذه التخصُّصاتِ، إنْ لم تكن أفضلَها جميعًا، وَهِيَ جامعةُ زيورخَ الفيدراليّةُ الــ HTE. ويكفي أن نذكرَ أن أكثرَ من عشرينَ من طلبتِها وأساتذتها قد حصلُوا على جائزةِ نوبلَ، لنُدركَ مدى عظمتِها. إنّ مجرّدَ الالتحاقِ بهذه الجامعةِ يعتبرُ شرفًا كبيرًا، حلمًا يراودُ أيَّ طالبٍ أوروبيٍّ، فمَا بالُك بطالبٍ مصريٍّ لا يكتفي بالالتحاقِ بها، بل يأبى إِلَّا أن يُبثتَ للعالمِ أجمعَ أنّه شخصيَّةٌ عالميَّةٌ أتتْ من مصرَ، لِتُلَقِّنَ السّويسريِّينَ وَالغَربيِّينَ جميعًا أصولَ العلمِ الحديثِ. ما أعجبَ قصّةَ عالمنا. إنّ الحقيقةَ قد تكونُ أحيانًا أغربَ من الخيالِ.

وصلَ منصورٌ إلى زيورخَ ومعه زوجةٌ شابّةٌ وطفلانِ صغيرانِ. كانَ عليه أن يدبّرَ لأسرتِهِ الصّغيرةِ مكانًا مناسبًا يقيمونَ فيه، وَدَخْلًا يقتاتونَ به. وكانَ عليه أن يتقنَ اللُّغَةَ الألمانيَّةَ بسرعةٍ، حتَّى يتمكَّنَ مِنْ متابعةِ المحاضراتِ في الجامعةِ الفيدراليّةِ الـ  ETH- وكانَ عليه فوقَ ذلكَ أنْ يواظبَ على حضورِ المحاضراتِ والدّروسِ، قبلَ التَّقدُّمِ لامتحانِ القبولِ. كانتِ الأعباءُ ثقيلةً، والمسؤوليَّاتُ كثيرةً. وكانَ الوقتُ محدودًا، والطاقَةُ لا تسعُ القيامَ بكلِّ هذِه الأعمالِ. فكانَ إنجازُ عملٍ معيَّنٍ، يعني إهمالَ الأعمالِ الأخرى. فإذا ذهبَ للبحثِ عن شقّةٍ أو عملٍ، أهملَ محاضراتِهِ. وإذا واظبَ على حضورِ المحاضراتِ، أهملَ مسؤوليَّاتِهِ الأخرى. كانتْ ظروفًا صعبةً حقًّا. ولكنَّ منصورًا كانَ أقوى منها، وأشدَّ صلابةً. وخرجَ من كلِّ هذِه الامتحاناتِ أقوى وأصلبَ من ذي قبلُ.

تمثَّلَتْ أولَى المحطَّاتِ الحاسمةِ الّتي مرّ بها عالمنا الكبيرُ في لقائِه الأوّلِ بأستاذِ الرياضيَّاتِ السّويسريِّ المكلَّف بامتحانِه. لم يعرفْ منصورٌ في ذلكَ الوقتِ أنّ هَذا اللِّقَاءَ سيغيّرُ حياتَه رأسًا على عقبٍ، وَلَا  كانَ بوسعِ أستاذِه السّويسرِيِّ أن يتكهّنَ بما ينتظرُه من مفاجآتٍ أغربَ من الخيالِ. لم يتمكّنْ منصورٌ من الانتظامِ في حضورِ دروسِ أستاذِ الرياضيَّاتِ هَذَا، بسببِ كثرةِ أعبائِهِ كمغتربٍ في مجتمعٍ جديدٍ. قبلَ الامتحانِ استعلمَ عن إمكانيَّةِ الحصولِ على ملزمةِ محاضراتِ أستاذِه مطبوعةً. فلما حصلَ عليها، واعتكفَ على دراستها، اكتشفَ بعبقريَّتِهِ الرِّيَاضِيَّةِ وجودَ عدّةِ أخطاءٍ فيها. فماذا هُو فاعلٌ الآنَ؟ هل يتجَرَّأُ ويواجِهُ أستاذَه بها، وخاصّةً أنّه كانَ أكبرَ عالمِ رياضيَّاتٍ في الجامعةِ الفيدراليَّةِ، بَلْ في سويسرا برمَّتِها، في ذلكَ الوقتِ؟ أم يتغاضَى عنها ويسكتُ، طلبًا للسَّلامة، وإيثارًا للرَّاحَةِ؟

لَمْ يكنْ بوسعِ منصور أَنْ يسكتَ عَلى خطأٍ. فليسَ هذا من أخلاقِ العلماءِ. شدَّ الرِّحالَ، وطلبَ مقابلةَ أستاذِه، عالمِ الرِّياضياتِ الأكبرِ في جامعةِ زيورخَ للعلومِ التِّكنولوجيَّةِ. استقبلَهُ أستاذُه، دونَ أن يستطيعَ التَّخَلُّصَ ممَّا كانَ يجولُ بخاطرِه من أفكارٍ استعلائيَّةٍ تجاهَ الأجانبِ، وخاصَّةً هؤلاءِ القادمينَ من دولِ العالمِ الثَّالِثِ. تركَ له فرصةَ الحديثِ، وفوجيء منصور بحسنِ استماعِه. وكانتِ المفاجأةُ الأخرى أنّه استمعَ دونَ تعليقٍ، وفهمَ دونَ تعقيبٍ. عندَ الامتحانِ لم يكنْ طالبُ الدكتوراةِ الشَّابُّ محمد منصور يُدركُ أنّ أستاذَه فطنَ لعبقريَّتِهِ منذُ أوّلِ وهلةٍ، ولكنَّه أرادَ أن يستكشفَ أبعادَ موهبتِهِ، وحجمَ عبقريَّتِهِ، فقرّر أن يختبرَه في مسائلَ أخرى لا علاقةَ لها بموضوعاتِ الامتحانِ. لم يكنْ منصور يعرفُ ذلكَ، ولم يخطرْ ببالِهِ أن يحدثَ له ما حدثَ. وكانتِ المفاجأةُ الأعظمُ من كلِّ ذلكَ أن منصورًا أثبتَ لأستاذه أنّ العبقريَّةَ لا علاقةَ لها بجنسٍ من الأجناسِ أو دينٍ من الأديانِ، فتدفَّقَتْ منه الإجاباتُ الصَّحيحةُ، كُلَّمَا انهالَ عليه أستاذُه بأسئلتِهِ الصَّعبةِ، دونَ رحمةٍ أو رأفةٍ. والأعجبُ من ذلكَ كلّه أن إجاباتِ منصورٍ كانتْ تأتي أسرعَ ممَّا تصوَّرَ أستاذُه، فكانَ يحتاجُ هو نفسُهُ لبعضِ الوقتِ حتَّى يتيقَّنَ من صحَّةِ إجاباتِ منصورٍ. يا لها من موقعةٍ حربيَّةٍ عنيفةٍ، ويا لها من لحظةٍ تاريخيَّةٍ حاسمةٍ في حياةِ عالمنا الكبيرِ محمد منصور! انتهى الامتحانُ، وافترقَ منصور وأستاذه بشعورينِ متباينينِ تمامًا. منصور في غايةِ القلقِ على مستقبلِه، وأستاذُه في غايةِ السّعادةِ والانتشاءِ لاكتشافِه عبقريَّةً جديدةً سيكونُ لها شأنها في تطويرِ العلمِ الإنسانيِّ! يا لها مِنْ غرائبَ وعجائبَ!

حصلَ منصور على الدَّرجةِ النِّهائيَّةِ، بعدَ أن كانَ يدعُو اللّهَ أن يحصلَ، ولو حتَّى على درجةِ (مقبولٍ)! بعدَ أن قامَ أستاذُه بعصرِهِ عصرًا في ذلكَ الامتحانِ الرَّهيبِ. تقدّم منصور بعدها للتَّسجيلِ لدَرجةِ الدّكتوراةِ عندَ زَميلِ ذَلكَ الأستاذِ. فَكانَ أوّلُ مَا فعلَه أستاذُه ومكتشفُه هُوَ الاتِّصالَ بالأستاذِ المشرفِ على رسالتِه، وَإِعْطَاءَه تعليماتٍ واضحةٍ، لا لبسَ فيها ولا غموضَ: "إِيَّاكَ أن يفلتَ منك ذَلكَ الولدُ"! وهكَذا فعلَ. فبعدَ حصولِ منصور على الدكتوراةِ سنةَ ٣٦٩١م، شغلَ وظائفَ أكاديميَّةً بحثيَّةً مختلفةً. فلمَّا حانَ وقتُ تقاعدِ أستاذِه الثَّانِي، وقرّرتْ جامعةُ زيورخَ فتحَ بابِ التَّرْشِيحِ لاختيارِ أستاذٍ جديدٍ، أصرّ أستاذُ منصور هذا على تعيينِ منصورٍ خليفةً له. ووقعتْ صداماتٌ عنيفةٌ بينَ هذا الأستاذِ وَرئيسِ الجامعةِ. فالأوّلُ يعرفُ العبقريَّةَ ويقدِّرُهَا، والثَّاني لا يُهِمُّهُ إلا تطبيقُ التَّعليماتِ واللَّوائحِ! تقدّمَ للوظيفةِ أكثرُ من خمسينَ مرشِّحا، تمّ تصفيتُهم على اثنينِ: منصور، وباحثٍ سويسريٍّ. هنا توهَّم رئيسُ الجامعةِ أنّ الأمرَ قد حُسِمَ. فهمْ سيختارونَ السّويسريَّ لا محالةَ. ولكنْ فجأةً ظهرَ أستاذُ منصور من جديدٍ، وكأنه ملاكٌ مرسلٌ، وجعلَ يهدّدُ رئيسَ الجامعةِ: "هذه الوظيفةُ لن يشغلَها إلا محمّد منصور، مفهومٌ"! تعجَّبَ رئيسُ الجامعةِ من هذا الإصرارِ الغريبِ على تعيينِ باحثٍ أجنبيٍّ، وتفضيلِه على ابنِ البلدِ. واضطرَّ أمامَ هذه الضُّغوطِ إلى قبولِ حلٍّ وسطٍ: إرسالُ أبحاثِ منصور ومنافسِه السّويسريِّ إلى جهةٍ علميَّةٍ خارجيَّةٍ، واستصدارُ فتوى منها لحسمِ مَن هو أفضلُ. وكانتِ المفاجأةُ أن جاءَ الحكمُ لصالحِ منصورٍ. يا لهَا من قصةِ نجاحٍ باهرةٍ. أَيُّهَا النَّاسُ، انظروا، وتفكَّروا. تَريَّثُوا، وَتَعلَّمُوا. اتَّعظُوا، واقتدُوا: "إنّ اللّهَ يحبُّ إنْ عملَ أحدُكم عَمَلًا أنْ يُتقنَهُ".

مصدر الموضوع: رصد






إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات