في "نجمة أغسطس" لصنع الله ابراهيم .. إرادة المقهورين أمام فرعون مصر

الأحد 22 سبتمبر 2013 - 02:05 مساءً

في "نجمة أغسطس" لصنع الله ابراهيم .. إرادة المقهورين أمام فرعون مصر

صورة ارشيفية

· السد العالي ومعبد أبي سمبل .. حين يخلد الحاكم صورته
· السياط تنهال على ظهور المعتقلين .. والراديو ينشد لهم "وطني"
 
· رمسيس لم يكن سوى سلسلة من الأكاذيب !!
 
"في أمسية من شتاء سنة 59 كنا ثلاثة في زنزانة مظلمة باردة في سجن القناطر نحاول إزجاء الوقت بالحكي والغناء المتعثر. فقد كنا محرومين من الصحف والكتب والورق والقلم والراديو . وفجأة انطلق راديو السجن على غير انتظام بأغنية عبد الحليم حافظ الجديدة : قلنا حنبني وآدي احنا بنينا السد العالي .   
اهتزت أعطافنا جميعا رغم ما نعانيه . فها هو حلم وطني يتحقق . أو يشرع في التحقق . ومن موقع جديد في الصحراء، هو سجن "المحاريق" بالواحات الخارجة كنت أدير في رأسي هذا السؤال : كيف يمكن التعبير روائيا عن موقف معقد تقوم فيه سلطة تقدمية معادية للاستعمار بتحديث البلاد وتصنيعها ومحاولة تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية بينما تمارس أبشع ألوان القهر ضد من يخالفها في الرأي أو يجرؤ على محاولة المشاركة في الفعل ؟ "
 
إنها لقطة حقيقية من حياة الأديب المصري البارز صنع الله ابراهيم سجلها بمفتتح روايته الشهيرة "نجمة الأغسطس" وقد صدرت للمرة الأولى 1974 وأعيد نشرها العام الماضي عن قصور الثقافة. وكان صنع الله قد تعرض لمحنة الاعتقال في عهد ناصر بسبب توجهه المعارض، وحين خرج من السجن 1965 شد الرحال مع صديقيه كمال القلش ورؤوف مسعد ومراسل الأزفستيا في مصر كونستتين فيشنفسكي إلى منطقة السد .. وبالفعل حين عادوا كتبوا موضوعات عن إنسان السد ولكن الروائي بعدها بسنوات تنقل بين بلدان عدة ومنها روسيا وبدأت تظهر له أشباح الماضي والطفولة والمقارنات بين القهر والإرادة فكانت تلك الرواية ..
 
إهداء الرواية جاء لذكري شُهدي عطيَّه الشافعي، اليساري المصري وزميل الراوي بالمعتقل والذي لقي حتفه تحت التعذيب بتهمة الإنتماء للحركة الشيوعية .
 
والرواية بلا أحداث كبرى ، وتشبه اليوميات إلى حد كبير التي يخطها الراوي لحياته في أسوان ، حيث انتقل مع زميليه في سبيل عملهم الصحفي عن السد ليواجه مفارقات هامة تكشف بؤس المصريين الذي لم يكن بإمكانهم أن يتحدثوا عنه بالصحافة مطلقا، فوسائل الإعلام الناصرية كانت مهمتها الوحيدة تمجيد الأوضاع ومعيشة البشر في ظل النظام ، فمثلا لم يكن بالإمكان الحديث عن الكوليرا التي حصدت الأرواح ولا محاولات الهروب للخارج بحثا عن الحرية أو لقمة العيش .. لكن ذلك لا يمنع أن النظام الناصري قدم إنجازات حقيقية للمصريين ومنها ما ورد بالرواية عن معجزة بناء السد العالي لحماية موارد مصر من الغرق تحت الفيضان..
 
ولكن السد حمل الكثير من الآلام لأهالي النوبة كما ظهر بالرواية، فقد اضطروا لترك قراهم وبيوتهم قسرا وتعرضت الأراضي لنقص الخصوبة التي كان الطمي يوفرها للمحاصيل، ولكن الأهم أن الكثير من الآثار المصرية النادرة لم يكن بالإمكان نقلها في رحلة نقل المعابد من ضفة السد وحمايتها والتي ساهمت بها منظمة اليونيسكو آنذاك، إذ كانت بعض الآثار محفورة في الجبال ومنها مثلا كنيسة تحولت لمسجد فيما بعد وتبرز جدرانها عصر الاضطهاد الروماني للمسيحيين الأوائل في مصر.
 
كانت صورة الروس بالرواية بأنهم منظمون للغاية ودقيقون في كل شيء ، شعوب متقدمة، وهم في المساء يبحثون عن متعة تخفف عنهم عناء اليوم الطويل .. 
فهناك مثلا السيد ابراسيموف أحد المسئولين الروس بمشروع السد وهو مهندس وقد عمل بمشاريع للري بآسيا كما عمل على استعادة الجسور ومحطات الكهرباء التي دمرتها الحرب ، وهناك تانيا التي أقام معها البطل علاقة غرامية متكاملة انتهت بتنكرها له ..
 
في رحاب أسوان
المكان في الرواية يبدو جافا لا يحمل تفاصيل مثيرة باستثناء خواتيم النص التي طاف الراوي خلالها بمعابد أبي سمبل ورمسيس وقرى النوبة التي شاهدها من فوق صندل على النيل ، وبغير ذلك كان الصحفي بطل العمل يتنقل بين الفندق الذي يمكث فيه ومواقع بناء السد المليئة بالآلات والعمال والخبراء الروس الصارمين والعمل الشاق تحت لهيب الشمس والطرق الوعرة التي تندر فيها وسائل التنقل ..
 
ومن القرى التي شاهدها البطل من فوق الصندل حين قرر السفر لأسوان جنوبا لمشاهد معبد أبي سمبل وقد تم تقطيع أجزائه الخلفية وبقيت واجهته فقط في إطار عملية نقله، شاهد قرية "إبريم " التي أقامها الأتراك حتى أجلاهم عنها المماليك في القرن التاسع عشر وبها كنيستان تبدوان من عصر الاضطهاد المسيحي القديم  .
 وهناك قرية توشكة التي دارت فيها المعركة الفاصلة بين ثوار السودان والجيش الانجليزي عام 1889 ولكنها فشلت وسقط النهر كله في العبودية .. أما قرية "جرف حسين" فبها آثار لم يتم نقلها لأنها محفورة في الصخر.
رمسيس الثاني
 
يعتبر رمسيس الثاني أحد أبطال الرواية الذين يستعيد البطل قصصهم لمغزى سياسي متعلق بطبيعة الاستبداد الناصري وحلم الزعامة وهو شبيه بحلم الألوهية عند رمسيس، فقد استدعى البطل معلوماته عن كونه قاهر الحيثيين وصاحب الحملات الناجحة على النوبة وسلسلة المعابد التي تتراص بكبرياء فوق ضفاف النهر العظيم تمجد باسمه .. ولكنه يصدم بخبير أثري مصري يعطيه صورة مغايرة تماما لذلك الفرعون المسكون بنزعة التحول لإله، حتى أنه حشر تماثيله وصورته بين صور إلهة المصريين القدماء "رع" و"إيزيس" و"موت" وغيرهم ، والحقيقة أيضا أن الجدارية التي تحمل صورته يقود سلسلة من الأسرى خانعين أمام قدميه في معركة قادش الشهيرة ليست حقيقة، لأن المعركة انتهت بتورط الفرعون في كمين نصبه له ملك الحيثيين !!
 
ذكريات غير بعيدة
تبرز بالرواية إحالات رائعة، هي استدعاءات تتوالى على ذهن الصحفي بطل الرواية من الطفولة والصبا وفترة الاعتقال وتذهب أحيانا لمشاهد تاريخية من تاريخ مصر البعيد .. وأحيانا تمتثل لوحات وتماثيل مايكل أنجلو فنان عصر النهضة الإيطالي والذي جسد عذابات البشرية ورغباتهم باقتدار ..
 
هناك إحالة تشير لواقع الاستبداد الذي غلف العالم العربي بالخمسينات ؛ حين كانت السيارة السوداء تجوب بالسجين، الذي هو الراوي، شوارع المدينة النائمة، فتقتاده من سجن لآخر، وحينها يتذكر جيدا أنه خير بين أوروبا والجحيم في وطنه فاختار الجحيم ، وأن تلك الفترة كانت شاهدة على تفجر العنف من الفرات إلى النيل بمثل ما لم يتفجر من قبل، فسحلوا الأجسام العارية في الموصل وأذابوا اللحم والعظام بالأحماض في دمشق، ومن فوق مآذن القاهرة طالبوا بالدماء ..
 
ثم في إحالات السجن نرى قسوة تعذيب السجناء العراة أمام الضابط الكبير ، ونرى أيضا الهواجس الجنسية التي تنتاب البطل ورفقائه المعتقلين كل مساء، وكانت تذهب بالبعض لما هو أبعد من الرغبة بالأنثى .. كما يتذكر حين تعرضوا لدفقات البول فوق أجسادهم من الجرادل، وبينما هم يشعرون ببؤس العالم يتكوم فوقهم إذا بالراديو يهلل بسعادة نشيد "وطني" !
 
وتستدعي الرواية كذلك إحالات فلسفية منها أسطورة الحكيم لورانزو الذي دعا الكهنة للتحرر العقلي بينما كانت عيناه تلمعان بشهوة السلطة وتنظيم العالم وبالفعل حين اعتلى المنصة ادعى بأنه صوت الرب على الأرض ، وصدقه الرسام بوتشيلي فاستنكر رسومه العارية وحرقها في النار لكن النحات وحده رأى بقاء روحه في الفن وظل يردد قول لورانزو "إن قوى التدمير تسير في أعقاب الإبداع " وإذا بلورانزو نفسه يستسلم على فراش الموت ويطلب غفران الراهب وبعد سنوات أجبروا الراهب أن يعترف قبل إعدامه بأنه اختلق قصة تلقين الوحي الإلهي  فاهتز النحات من أعماقه وعاد لفنه بعد أن تيقن أنه الشيء اليقيني في عالم تسوده الفوضى ,,
 
كما أن هناك إحالات من كتاب مايكل أنجلو للوحة العذراء مثلا وهي تحنو على جثة ابنها المصلوب بحسب المعتقد المسيحي .. وبرأي الراوي لم تكن الصورة لابن إله ولكنها لبشر يعذبه الشك في جدوى رسالة تدعو للتسامح بينما يعج الواقع بهذه الوحشية التي تمثلت في تلك المسامير المثبتة في جسده
 
وبالطبع هناك إحالات فرعونية في قدس الأقداس بالمعبد حيث لم يكن يدخله إلا صفوة الكهنة الذي يديرون الشعائر السرية في الظلام بعيدا عن الشعب ، وإحالة لرمسيس الذي حين سيطرت عليه فكرة الألوهية اتبع في التبشير بعبادته أسلوب تصويره بين الآلهة كواحد منها وفي يديه الصولجان والريشة على هيئة إنسان له رأس صقر متوج بقرص الشمس ..
 
تذكر البطل أيضا نفسه حين كان طفلا في بيت هاديء يقابل مدرسة اليهود، حينها كان يلعب مع رفاقه في دعة بالزلط في الشوارع التي فضضها ضوء القمر ، ثم تومض بالذاكرة مشاهد من مواجهتهم حين صاروا صبيانا كبارا لعساكر الإنجليز واختفائهم بالأزقة هربا ..
 
هاجس الجنس ..
 
يسيطر ذلك الهاجس مع فكرة القمع على عقل الراوي طيلة العمل، ويتبدى ذلك حتى في لغة السرد التي تستخدم مفردات قريبة من هذا العالم وتطبع بها كل شيء، بما فيها الجمادات كآلات العمل في السد.
 
 وقال بعض النقاد أن صعود تلك النظرة في أعمال صنع الله ربما مبعثها لفترة الاعتقال التي تعرض لها والتي جعلته يرتد لحاجات الإنسان الأولية الغريزية لتبدو جلية في كتابته .. لكن كان هناك اختلاف في مدى توظيف ذلك الهاجس فنيا وأهميته في مضامين كل رواية على حدا .
 
إضاءة ..
 
ربما كان معروفا عن صنع الله ما ذكرته الدكتورة أولريكه شتيلي خلال منح جائزة بن رشد للفكر الحر للأديب بأنه لم يسمح للجهاز الثقافي الحكومي بأن يستوعبه. ومع أنه قد حصل على العديد من الجوائز التقديرية –كجائزة غالب هلسا التي منحته إياها رابطة الكتاب الأردنيين سنة 1992، وجائزة سلطان العويس المعتبرة التي تمنحها دولة الإمارات العربية- فقد سمح لنفسه بأن يرفض دعوات وجوائز، إذا وجد فيها أدنى شبهة بأنها توظَّف لغرض سياسيّ، مثلما فعل سنة 1998، عندما رفض "جائزة نجيب محفوظ" التي تمنحها الجامعة الأمريكية في القاهرة، أو في عام 2003، عندما رفض الجائزة التقديرية ذات القيمة المالية العالية، التي تمنحها وزارة الثقافة المصرية لأفضل رواية عربية. فالحكومة المصرية، حسب قوله، تفتقر إلى المصداقية التي تخوّلها منح جائزة كهذه، وذلك نظراً لأن تلك الحكومة تتغاضى عن مساعي السيطرة الأمريكية على المنطقة، وعن احتلال العراق، وعن الاحتلال الإسرائيلي وما يمارسه في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني من تدمير، وعن الفساد وتدني مستوى المعيشة في مصر.

مصدر الموضوع: شبكة الاعلام العربية






إستطلاع رأى

هل أنت راض عن أداء محافظ الإسماعيلية ؟

  • لا
  • نعم
Ajax Loader
مواقيت الصلاة
حالة الطقس
اسعار العملات